الرئيسية / WhatsApp / الثقافة والذاكرة

الثقافة والذاكرة

*د.عبد الحسين شعبان

ميديا نيوز : بيروت – ينطوي مفهوم الثقافة على بعدين أساسيين أحدهما كوني عام والآخر وطني أو محلي  خاص، ويتجسّد البعد العالمي بالمشترك الإنساني الجامع للبشر، أما البعد الوطني أو الفرعي فهو الذي يأخذ السمات الخاصة والمعتقدات وطرائق الحياة التي تمكّن مجموعة بشرية من الشعور المشترك بتميّزها عن الآخرين، بفعل الروابط الخاصة التي تجمعها، لأن الثقافة في نهاية المطاف تمثّل مجموعة السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل طرائق العيش من مأكل وملبس وعادات وتقاليد، إضافة إلى الحقوق الأساسية للإنسان والنظم القيمية التي يعتمدها، علاوة على الفنون والآداب.

وذهب إعلان مكسيكو في 6 أغسطس /آب 1982 بشأن السياسات الثقافية والتنوّع الثقافي إلى تأكيد ذلك من خلال هويّات تُميّز الجماعات والمجتمعات الإنسانية ، وهو ما يقرّه القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما ورد في العهدين الدوليين الأول- الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني – الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادران في العام 1966،عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، واللذان دخلا حيّز النفاذ في العام 1976، إضافة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة  الصادرة في العام 1979.

وتتميّز المجموعة الثقافية عن الأخرى، بكون أفرادها يتقاسمون المرجعيات الثقافية لهويّة مشتركة ويسعون للحفاظ عليها وتنميتها بوصفها مكوّناً أساسياً لكرامتهم الإنسانية، حسبما ورد في إعلان فرايبورغ الصادر في 7 مايو/أيار/2007 بشأن الحقوق الثقافية.

والثقافة ركن لا غنى عنه في عملية التنمية بجميع جوانبها، ولا يمكن الوصول إلى الهدف المنشود من التنمية دون إعطاء الثقافة المكان الذي تستحقّه، فقد كانت في السابق والحاضر وستكون أكثر تأثيراً في المستقبل، عنصراً أساسياً لتقارب الشعوب، فالمجتمعات بدون ثقافة هي بلا ذاكرة، كما أن الثقافة عنصر جوهري للاستقرار الاجتماعي مثلما هي محرّك أساسي للنشاط الاقتصادي، ولنتذّكر طريق الحرير في الماضي والحاضر وما يمكن أن يبعثه اليوم من فرص جديدة للتقارب والتعاون على المستوى الكوني. وقد لعبت  المسيحية وبعدها الإسلام دوراً مهماً وحيوياً في التقارب بين ثقافات الشعوب على المستوى العالمي.
وفي حوار مغاربي جمعني مع نخبة من المثقفين على هامش مهرجان الناظور السينمائي لمناقشة دور الثقافة في المشترك الإنساني بما لها من تنوّع وتعدّد وتشعّب، ابتدأنا فيه من دور السينما، فهي  ليست للمتعة من خلال الصورة والصوت والحركة، بل إنها أفكار ومشكلات تعبّر عن مضمون ومعنى اجتماعي أيضاً، وهذا الأخير يمكن أن يكون عنصراً للخير أو عنصراً للشر بحسب الجهات التي توظّفه. والشيء ذاته ينطبق على الموسيقى، فهي رسالة سلام وصداقة بين الشعوب يمكن تعميمها بالتذوق والتواصل والتفاعل، أما عن المسرح فكثيراً ما ردّدنا القول الأثير ” أعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً”،  وفي الشعر كان اكتافيو باث الشاعر المكسيكي الحائز على جائزة نوبل يقول: “إذا خلا رأس السياسي من الشعر تحوّل إلى طاغية”، وهكذا فالبشر بدون فن سيتعرضون للصدأ سريعاً وللعطب على نحو شديد بفقدان التخيّل وانحسار الرؤى والأحلام.

الثقافة من هذه الزاوية هي رافعة أساسية للقيم الإنسانية التي بإمكانها إذا ما تم نشرها وتعميقها  رفع درجة الوعي، ولاسيّما بالمشترك الإنساني لما يمكن أن تقوم به من دور للتواصل بين الشعوب والبلدان على الرغم من شساعة المسافات، وبهذا المعنى فهي أداة صداقة وتعاون، وإحدى وسائل إنعاش الذاكرة المشتركة، خصوصاً إذا ما كُرّست للخير والعمران والجمال والسلام،  بدلاً من نكئ الجراح والهدم والحرب والكراهية والانتقام .

ولكي تكون الثقافة عادلة، فلا بدّ أن تكون شاملة ودون تمييز، وخصوصاً في الموقف من المرأة، فلا حريّة حقيقية دون تحرّر المرأة وإلغاء جميع أشكال التمييز ضدها، ولا يمكن تحرير المجتمع دون تحرير المرأة، وإلّا فإن نصفه سيبقى معطلاً وغير فاعل.

وقد حاول  إعلان مكناس حول ” حوار الثقافات وأسئلة الهويّة” الاستناد إلى هذا المفهوم والبنيان عليه في إطار مشروع للتواصل الثقافي من خلال التعبير عن رؤية جديدة تنطلق من الحوار والإقرار بالحق في الاختلاف، وبالتالي الحق في التنوّع وتعزيز المشتركات الإنسانية التي تقوم على القيم ذات البعد الكوني مثل قيم السلام والتسامح ونبذ الكراهية والتمييز مع الأخذ بنظر الاعتبار احترام الخصائص المميزة للثقافات الوطنية والفرعية وعدم التجاوز عليها والاعتراف بحقوقها كاملة وغير منقوصة.

ولا يمكن تحقيق ذلك دون دور حقيقي للثقافة بشكل عام وللفن بشكل خاص، سواء في السينما أم المسرح أم الموسيقى أم الغناء أم الرقص أم الرسم أم النحت أم الكتابة، وستكون الحياة دون ثقافة مملّة، بل غير ممكنة في العالم المعاصر، والإنسان يختلف عن الحيوان بثقافته ولغته وقدرته على التحكّم بعواطفه.

ومن تجارب الشعوب فالاطلاع على ثقافة الغير هو الوسيلة الأولى للتواصل الذي يمكن أن تغتني بالاختلاط والتبادل والتفاعل، أما العزلة والتصورات المسبقة عن الآخر، فإنها تقود إلى الاستعلاء من جهة ومن الجهة الأخرى إلى ضيق الأفق، فضلاً عن ردود الفعل العدائية حدّ التناحر.

*باحث ومفكر عربي.

تعليقات فيسبوك

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إليسا تصدم الجميع بخبر اعتزالها: هذا ألبومي الأخير

بتغريدةٍ صادمة فاجأت متابعيها والوسط الفني في لبنان والعالم العربي، أعلنت النجمة اللبنانية إليسا نيّتها ...

Translate »لأن لغة واحدة لا تكفي ميديا نيوز بكل لغات العالم