الرئيسية / WhatsApp / الفيلم التونسي “الجايدة”..في افتتاح مهرجان كرامة 2018 ..عذابات المرأة التونسية قبيل الاستقلال

الفيلم التونسي “الجايدة”..في افتتاح مهرجان كرامة 2018 ..عذابات المرأة التونسية قبيل الاستقلال


رسمي محاسنة: ميديا نيوز


تأخذنا المخرجة “سلمى بكار” إلى أواسط الخمسينات بفيلم “الجايدة” التي تنسج خيوطه أربع نساء من طبقات اجتماعية متباينة، واعمار ومناطق مختلفة، لكنها تشترك بحكاية متشابهة، كل واحدة ترويها تحت سقف” دار جواد – سجن نسوي”،تحت عيون – أو من خلف  “الجايدة” المشرفة على الدار.كل ذلك في أجواء إرهاصات الاستقلال 1954-1955،قبيل وصول “بورقيبة”.


اربع نساء كل واحدة تحمل قصة من القهر، وظلم الرجل والمجتمع ورجل الدين الذي يفسر الأمور بما يتفق وثقافة المجتمع الذكوري الذي ينظر للمرأة نظرة دونية،على حساب انسانيتها، وكرامتها، وعلى حساب دورها في المجتمع الذي يفترض أن تكون شريكة به، حيث تتكرر الحكاية بشكل او باخر بغض النظر عن المستوى الثقافي او الاجتماعي او التجربة العمرية


تتكرر حركة الكاميرا على حركة أقدام النساء،ذلك أن هناك دائما ما يحاك ضدها ،والبداية مع “بهجة”” وجيهة الجندوبي”، حيث تقودها قدماها الى غرفة اختها الارملة”خديجة” لتجد زوجها “طيب” ” خالد هويسة” بين احضان اختها،حيث ينغرز الجرح في اعماق نفسها،لم تستطع معه ان تقبل اعتذار زوجها،فقد تنازلت عن الاستمرار تحصيلها العلمي ، حتى تتفرغ لتربية اولادها،وتوفير اجواء مريحة لزوجها الذي يتمتع بعلاقات مع طبقة برجوازية، بحكم ثقافته ومهنته.ويكون القرار من القاضي الشرعي بإيداعها في دار جواد عقابا على”نشوزها”،بناء على طلب وجها.


“ليلى” “سهير بن عمارة” الفتاة اليتيمة، الممتلئة حيوية،وجدت نفسها باحضان شيخ طاعن في السن”،لا يستطيع تلبية رغبات جسدها الفائر، فيرفع عليها قضية زنا عند القاضي، ولا تاخذ الفرصة بالدفاع عن نفسها، او البوح بعجز وجها، وتكون عقوبتها مركبة، حيث تخلى عنها حبيبها بحجة أن علاقتهما حرام،وقرار القاضي بإيداعها في الدار المشؤومة.


“امال” ” نجوى زهير”،المقموعة في البيت من تسلط حماتها، لعدم انجابها الابناء، ومن ضعف وجهها الذي لايوفر لها الحماية، لتدفع هي الثمن.


الطالبة الرومانسية” حسينة””سلمى محجوب”،اليتيمة التي يتحكم بها خالها، بحكم ولايته عليها،والذي يرسلها للدار بعد ان عرف انها على علاقة مع الفتى الثائر”عثمان”” بلال الباجي”.


تحت سقف “الجايدة”،وباحاته، ولياليها الطويلة،يستحضر الفيلم حقبة من التاريخ القريب للمرأة التونسية،من مختلف الفئات الاجتماعية،في متوالية من البوح عن المعاناة، والحقوق الغائبة، والإقصاء على يد سلطة الرجل والدين والدولة، بفيلم تنسجه”سلمى بكار” بايقاع متماسك، يشد المتلقي، الى تلك النماذج النسوية، دون الوقوع في فخ الميلودراما، او الانحياز النسوي المتطرف، ذلك ان سيناريو الفيلم مكتوب بعناية، يرسم الشخصيات وخلفياتها، وعلاقاتها بمجمل المؤثرات المحيطة بها، في اداء مقنع، وفهم لكل شخصية، ودوافعها، ومكوناتها.


وتنجح المخرجة” سلمى بكار” إضفاء الواقعية على تفاصيل تلك المرحلة من منتصف الخمسينات، بملابسها وازيائها، وطراز البناء،ومفردات الديكور، وكل التفاصيل الصغيرة التي تعكس البيئة التي تدور بها الأحداث وتتحرك بها الشخصيات، حيث تمسك المخرجة بكل هذه العناصر، وتاخذ من الممثلات افضل ماعندهم بمقترحات من الأداء المتوازن المنسجم مع طبيعة كل شخصية،وبما تتميز به عن الشخصيات الأخرى، من حيث ثقافتها، وانتمائها الاجتماعي،ووعيها،و فقرها، وحرمانها العاطفي، هذه الفوارق التي تتلاشى أمام العذابات والقهر، فالمراة الانسانة الانثى، تم تغييبها عن دورها الحقيقي،و تجريدها من حقوقها، لتصبح الدار هي المأوى، و”الجايدة”، هي شكل آخر من أشكال القهر والتسلط، في دور أدته باقتدار ” فاطمة بن سعيدان”.


ورغم برودة المكان، وقسوة المجتمع المحيط، ورغم الحزن والقهر في داخل كل واحدة منهن، الا ان الفيلم يقدم ومضات انسانية، والقدرة على اضافة بعض الدفء، والتواصل الإنساني، والتناغم مع الخارج الذي يقف على أبواب الاستقلال، حيث “بهجة” تتشارك مع ” حسينة”،جرعة ثقافية من خلال مجموعة الروايات، وكتابات”لامارتين وغوستاف فولبير”، فيما تعوضها “ليلى”،بكثير من الحنان، فهي ترى فيها صورتها قبل ان يهشمها المجتمع بتقاليده أحكامه القاسية، وكذلك الحال بقية الشخصيات رغم كل ما تكتنزه كل واحدة من احزان وذكريات بشعة،الا انها تستطيع ان تسرق لحظة فرح، او ابتسامة تزاحم احزان العمر.

تقدم “سلمى بكار” المرأة كشخصية قادرة على الرفض والتمرد،وإذا كانت “ليلى” لم تستطع الوصول الى المعادل الذي توازن بها حياتها، فاتخذت قرارها بالانتحار، في موت بهي،وادانة للرجل، من خلال يدها زوجها الشيخ، الذي جاء يتحسس جسدها، فخرجت يده ملطخة بدمها في دلالة واضحة لإدانة نهج ومرحلة ونمط تفكير و مجتمع محكوم بالذكورة.فإننا بالمقابل نجد “بهجة” التي رغم توسلات وجها، ورغم أمومتها، الا انها بقيت على موقفها الذي اوصلها الى موقع تستطيع معه إيصال صوتها وأصوات نساء تونس من خلال البرلمان.


فيلم”الجايدة”..عن عذابات المرأة التونسية قبيل الاستقلال،وقبيل وصول”بورقيبة” صاحب الفضل بتعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي اعطى المراة التونسية الكثير من الحقوق، ويقدم الفيلم نموذج للمرأة من أقصى درجات العبودية، الى المراة البرجوازية المتنورة، لكن القاسم المشترك، هو الظلم والقهر والاقصاء، كل ذلك ضمن سيناريو محكم يرسم بدقة الشخصيات وخلفياتها، وعلاقاتها،دون الوقوع في مصيدة اللغو أو المبالغة والميلودراما،و بإيقاع متوازن للشخصيات والاحداث،وسلاسة في توالي الاحداث، دون صراخ او شعارات، انما الذهاب الى ذلك المسكوت عنه في دواخل المرأة.وحتى المشهد الأخير الذي يحمل بعض المباشرة،فإن ظهور طفلة على يمين بطلة الفيلم في مجلس النواب ،فانه يحمل دلالة تواصل نضال المرأة التونسية عبر تواصل الأجيال.


الفيلم من إخراج”سلمى بكار” التي شاركت الممثلة” وجيهة الجندوبي” في كتابة السيناريو، وبطولة” وجيهة الجندوبي، وسهير بن عمارة،وخالد هويسة،وتوفيق العايب،ونجوى زهير،وسلوى محجوب،وفاطمة بن سعيدان،وبلال الباجي،واحمد الحفيان،ومحمد عبي بن جمعة،وجمال المدني،واميرة درويش…وآخرون”.

 

تعليقات فيسبوك

تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نتنياهو: زعزعة استقرار السعودية يعني زعزعة استقرار العالم

ميديا نيوز – قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن “زعزعة استقرار المملكة العربية السعودية، يعني ...

Translate »لأن لغة واحدة لا تكفي ميديا نيوز بكل لغات العالم
%d مدونون معجبون بهذه: