الرئيسية / WhatsApp / ثورات شباب..

ثورات شباب..

دينا الزيتاوي

ميديا نيوز – أسعف التطور التكنولوجي الكبير و الاستثمار الهائل في العوالم السيبرانية ووسائل الاتصالات الشباب العربي على كسر العزلة و التفاعل و استثمار المناخ المترهل في بلدانهم للتمرد على الأمر الواقع، و نحت مفاهيم جميلة جديدة تكسر الصور الذهنية المأخوذة عنهم بأنهم جيل من الكسالى العابثين، و استخراج مكنوناتهم في ثوراث شعبية، هدفها بناء ديمقراطيات لم تكتمل و انحرفت عن المأمول إلى الصعب و المريب.

إرادة شعبية شبابية أصبحت مكوناً أساسياً في المعادلة السياسية العربية. كسرت الخضوع و الرضوخ للتحول بالمشهد السياسي لعمليات سريعة من إعادة النظر في الكثير من المفاهيم و الأحكام التي هيمنت على الثقافة السياسية العربية خلال فترة حكم الأنظمة الراديكالية الشمولية، و محاولة معادلة موازين القوى بين الشارع و السلطات الحاكمة، و إن كان هذا الدور يتراجع في نهايات الثورات لينعكس بالسلب في معظم المشاهد التي يسيطر فيها أتباع النظام الزائل بطريقة أو بأخرى.

محاولات تاريخية قادها الشباب لإعادة تشييد الدولة من أجل المواطن، و التخلي عن فكرة المواطنة وفق قواعد السلوك و الانضباط بالكيفية التي تضمن استقرار الأمر لقوى تشبثت بالسلطة لوقت طويل و خططت للبقاء فيها للأزل. حيث يشارك المواطنون كل بحسب موقعه و اختصاصه في عملية التنمية و إدارة شؤون البلد بعيداً عن المركزية و الانفراد بالسلطات.

بغض النظر عن كمية المكتسبات التي حققها الشباب أو لم يحققوها، فإن عملية إدارة الثورة و الانقلاب على فئة سيطرت لوقت كاف، تعكس تشكل معالم ثقافة سياسية جديدة تدعو إلى حكم مدني ديمقراطي، وإن طالبوا بحقوق غير مؤطرة بشكل منظم حزبي أو نقابي، إنما بشكل عشوائي و شبكي متجاوزاً المنطوقات التقليدية لأفكار الثورة و الانقلاب. و في هذا انفتاح كبير في الفكر و الأفق عند الشباب غير المبالي بالسلطات الأعلى في العشيرة أو الهيمنة القبلية و الحزبية و غيرها. أي أن نظرية الزعيم الأوحد صاحب الكاريزما و الحضور الطاغي انعدمت لدى الشارع الثائر.

أصبح الحشد ذو طابع الكتروني و تكنولوجي بحت، و أصبحت وسائل المقاومة أيضا تكنولوجية بقطع وسائل التواصل الاجتماعي، و إضعاف شبكات الانترنت ووسائل التواصل السيبراني، و حظر المحطات التلفزيونية التي تناهض النظام، و اعتقال المحرضين من الشباب أصحاب الدعوات للتجمع. مع خلو هذه التجمعات من الشعارات الإيديولوجية التي اعتادت الأحزاب المناداة بها لمناهضة أي حكومة، مما جنب الجماهير المحتشدة الكثير من الصدام المباشر مع القانون و الأجهزة الأمنية على حد سواء.

إنها نهاية العقائد الشمولية باسم التيارات القومية و الاشتراكية و الرأسمالية و غيرها من المسميات التي يبدو أن الزمن قد عفا عليها، و انتصار لمصطلحات الكرامة و العدالة و المناداة بالمساواة و الأطياف التطوعية و التنمية المستدامة. و تحول المنظور من انقلابات منظمة عسكرية تطيح بالحكم إلى شارع ثائر يتصدر الواجهة.

نضج واضح و ملموس في التفكير الشعبي وإن كانت آثره غير واقعية و محققة على الأرض. انطلق الشارع بدون عمليات تبني حقيقي من جهات معينة و استلهم روح التحولات السلمية من ماض عنيف أعاد تشكيل سلطة عنيفة بأخرى أكثر عنفاً، استفاد من الدروس السابقة و حاول و اتخذ من الميادين العامة ووسائل التواصل الاجتماعي مكاناً له بدلا من ساحات القتال، و إن اختطفت بعض الأحزاب أو القوى المنظمة ما نتج عن هذه الثورات و استفادت لخدمة مصالحها بعيداً عن رغبة الشارع الثائر.

أظهرت الثورات في الغالب ضعفاً في الاستراتيجيات الأمنية و قدرتها على التعامل مع الاحتجاجات، كما وضحت الجمود في السياسات الأمنية و عدم تحديثها عبر الزمن، و انتصر الشارع في الغالب للفكر الوطني و ليس لمشروع إزالة حكم مرفوض فقط، حيث تغنى الشباب باهازيج شعبية أثارت الموقف و فجرته و استقطبت تعاطفاً غير مسبوق بعيداً عن الشعارات التي تحمل في طياتها التقليدي من مواجهة الظلم و الظالمين.

كما ظهر الضعف السياسي و التفكك في داخل الأنظمة الحاكمة التي ثار الشباب عليها، فأثناء الثورات تخلت الأسماء عن مواقعها وغادر كل من كان على خلاف مع رؤوس النظام، حتى أن البعض فضل اللجوء إلى دول أخرى على البقاء و المواجهة. و ساعد هذا التباطؤ في الرد السياسي إلى مزيد من المطالب في الشارع، لأنه أخذ المزيد من الوقت للتفكير و الاستمزاج و التدارس. و هو نفس الوقت الذي احتاجته القوى اليسارية لإعادة بناء مشاريع تظهر توافقها مع متطلبات الشباب الثائر و تحقق مصالحها، مما أدى في العديد من البلدان إلى سيطرة هذه القوى على السلطة فيما بعد، و من ثم خسارتها لصالح القوى اليمينية التي تمت الثورة عليها.

في كل فوضى هناك من يقفز على ظهر الثورة، و يأخذ مغانم غيره. فالثورات لا تؤدي إلى ازدهار و تنمية و فرص ذات فعالية فورية. تحتاج إلى إعادة البناء، و رؤية مستقبلية منظمة لا يمتلكها الشارع العربي الثائر في الغالب. قراءة و دراسة الشارع الآن ضرورة لاستلهام العبر و تغيير المفاهيم و تأريخها، و إن أثبت التاريخ أنه لا يعيد نفسه دائماً.

تعليقات فيسبوك

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيف أصبحت خريطة اليمن العسكرية بعد انقلاب عدن؟ – انفوجرافيك

عدن – ميديا نيوز – شهدت خريطة السيطرة والنفوذ في اليمن تحولاً نوعياً خلال الأيام ...

Translate »لأن لغة واحدة لا تكفي ميديا نيوز بكل لغات العالم