الرئيسية / WhatsApp / دول الاعتدال العربي… ومستقبل السياسة الخارجية الأميركية

دول الاعتدال العربي… ومستقبل السياسة الخارجية الأميركية

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
Dr_mahboob1@hotmail.com

تعتبر دول محور الاعتدال العربي ( السعودية، مصر، دولة الإمارات، الأردن ) صمام الأمان في مواجهة التدخلات الخارجية ومشاريع الهيمنة بعد أن أخذت زمام المبادرة في مواجهة الإرهاب والدفاع عن قضايا لأمة ووحدتها وهي التي ترى أن المنطقة بحاجة إلى رؤى جديدة ومبادرات للتصدي لتلك الأخطار التي تحدق بالمنطقة من خلال جهد مشترك جوهر هذه الرؤى الجديدة تفكير استراتيجي لا يخضع لشعارات ولا تخضع لأيديولوجيات السائدة في المنطقة التي ساهمت في جعل المنطقة مستباحة لمشاريع أيديولوجية تحت غطاء ديني والتي أعاقت الخطط الإصلاحية في الفترة الماضية.
رسمت دول الاعتدال العربي مسار جديد للتقدم والشراكة لمواجهة التحديات العميقة التي يواجها الشرق الأوسط ويمر بتحولات عميقة وتحولات جذرية، وباتت بؤرة مضطربة وبيئة غير مستقرة، بل بيئة خصبة لمشاريع ولاية الفقيه ومشاريع الدولة العثمانية الجديدة عبر مركزها في الدوحة وليبيا ووكلاء لهم منتشرين في المنطقة العربية في تونس والكويت والأردن والمغرب والجزائر واليمن، أدخلت منطقة الشرق الأوسط في متلازمة الفوضى والتخريب حتى تحولت الفوضى والطائفية إلى صناعة الإرهاب ترعاه دول مثل إيران قطر وليبيا ووكلاء للمشروعين في العراق وفي سوريا وفي ليبيا وفي اليمن لتهديد أمن المنطقة العربية وبشكل خاص تهديد أمن السعودية.
ما جعل محور الاعتدال العربي يطلق مبادرات للحوار ككيان فكري وبحثي يكون في خدمة السلام والتنمية في المنطقة، وركزت في مبادراتها تلك إقامة الفعاليات المشتركة والتبادل المعرفي وتسليط الضوء على المراكز البحثية في دعم صناعة القرار، من خلال تطوير أنماط التفكير وآليات العمل باعتبار ما تمر به المنطقة مرحلة فاصلة لبناء مستقبل أكثر استقرارا وأكثر تقدما من خلال الاستثمار في الفكر والبحث العلمي لاستدامة الرؤى والمقاربات غير التقليدية القادرة على تقديم قراءة استشرافية واضحة ومتكاملة تلتقي مع التفكير الاستراتيجي العالمي، وفي نفس الوقت أقامت مبادرات لتوعية الرأي العام مقابل دور المحورين في تضليل الرأي العام العربي عبر منصاته العديدة من منصة الدوحة واسطنبول ولندن بجانب منصات وكلاء إيران في المنطقة التي بدأت تخبو نتيجة جهود دول الاعتدال العربي المشتركة.
وبشكل خاص تهديد أمن أكبر دولتين من دول الاعتدال العربي هما السعودية ومصر، فالحوثي وكيل ملالي طهران يهدد أمن الممرات المائية وممرات الطاقة وصناعة النفط في المملكة العربية السعودية، ومن جهة أخرى تهدد التنظيمات الجهادية المدعومة من قبل تركيا والممولة من الدوحة امن أكبر دولة عربية مصر لضرب أي تعاون بين السعودية ومصر على إسقاط هذين المشروعين، لكنهما يقاومان مستثمرين الإرادة الدولية التي تحافظ عليها حتى لا ينتصر أحدهما على الآخر.
وهناك أمثلة على ذلك عندما رفضت الإرادة الدولية تحرير التحالف العربي ميناء الحديدة من الحوثي، وفجأة اتجهت إلى مبادرة استكهولم التي لم ينفذها الحوثي، وبدأت تضغط على المحور العربي من خلال ورقة حقوق الإنسان، واعتبرت الأسلحة تستهدف المدنيين، كذلك رفضت الإرادة الدولية أن يحتل الجيش الوطني الليبي المدعوم من التحالف العربي طرابلس ومنعته واعتبرت أنه يهدد امن المنشآت النفطية.
يعيش العالم مرحلة فوضى وعدم يقين مع اهتزاز الثوابت وكم هائل من الأخبار الكاذبة عبر ضخ إعلامي غير مسبوق، وما يتعلق بمستقبل السياسة الخارجية خصوصا فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وأن كان مستقبل الشرق الأوسط لا يمكن فصله عن مستقبل العالم وبشكل خاص عن أوربا وروسيا والصين.
هناك ضخ الأخبار المفبركة والكاذبة والمجهلة التي تروج من أن ترمب وحش كاسر وسيأتي الرئيس المنتخب بايدن بعده حمامة سلام، فيما أن لدى أمريكا رئيس ومؤسسة حاكمة لا تتغير بتغير الرؤساء، وهي الحاكم الفعلي سواء كان الرئيس من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، ومثال على ذلك حينما أراد أوباما ضرب سوريا بعد وضع الخطوط الحمراء إذا استخدم النظام السوري الكيماوي وبعدما استخدمه النظام السوري، أراد أوباما القيام بضربة قاصفة للنظام السوري وسينتهي بهذه الضربة، لكن المؤسسة الأمريكية الحاكمة رفضت مثل تلك الضربة القاضية التي تخالف الاستراتيجية الأمريكية في إبقاء الفوضى في المنطقة لكنها تحرص على مسك جميع الخيوط من أجل أن تتحكم بها وتتحكم بالمنطقة.
ولا ننظر إلى أن هناك ديمقراطية في الولايات المتحدة، فعندما أرادت الولايات المتحدة القضاء على العنصرية أتت بأوباما، كذلك عندما أرادت استعادة زخم أمريكا أتت بترمب الذي اتخذ من أمريكا أولا شعارا له، لكن تعتقد أمريكا الآن أن دوره انتهى، وأنها بحاجة إلى رئاسة جديدة تسعى إلى استعادة تحالف دولي واسع لمحاربة الوباء الذي نجحت في إدارة هذا الوباء في قمة العشرين السعودية وتعتبره على حساب سمعة الولايات المتحدة القوة الكبرى في العالم.
خلال حديث عيد الشكر توقف بايدن عند فكرة ترجع إلى أواخر تسعينات القرن الماضي من أن يكون القرن الحادي والعشرين قرنا أميركيا وهي فكرة بلورها المحافظون الجدد عام 1997 الغرض منها صبغ العالم بصبغة أميركية من أجل قطع الطريق على القطبية الصينية القادمة، وكذلك منع القيصر الروسي من استرداد قطبيته في زمن الحرب الباردة التي تم تفكيكها في 1989، ولكن السؤال المطروح في ضوء هذا التفكير الاستراتيجي للولايات المتحدة الذي وضع كهدف قابل للتحقق خصوصا وأن الصين تمكنت من تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها لها الولايات المتحدة وأصبح لها حضور وتمدد اقتصادي وعسكري عالمي واسع النطاق لم تتوقعه، وكذلك روسيا التي وصلت إلى التموضع في سوريا، ولم تعد الورقة التركية مهمة للغرب في محاصرة روسيا كما كانت من قبل، بل تخطط روسيا في التموضع في البحر الأحمر في السودان على غرار سوريا، وتقيم علاقات وثيقة مع السعودية حول أسواق النفط وتقيم علاقات مع مصر والجزائر والمغرب.
يمكن أتى المجلس الرئاسي ببايدن ليس لأنه قادر على قيادة العالم، بل من أجل ردم شرخا حدث في جدار النسيج المجتمعي الأميركي تسبب فيه ترمب فبعد مقتل جورج فلويد وصل الشقاق إلى الدرجة التي شلت عمل مجلسي النواب ولاشيوخ أمام العالم من ناحية وأمام الشعب الأمريكي من ناحية أخرى، وهناك أصبح فريقان الأول هم أصحاب العنصر الأنغوساكسوني البروتستانتي الذين يطلق عليهم الواسب والذين يعتبرون أنفسهم أصحاب الحق الإلهي في أرض الميعاد الجديدة، والفريق الآخر الذين يعرفون بالجاكسونيين نسبة إلى الرئيس جاكسون الذي رفض فكرة أميركا بوتقة الانصهار وأنها فسيفساء مكونة من مكونات مختلفة أي هناك تمذهب وتحزب عقدي وعرقي وليس سياسي كما يظن بعض المحللين السياسيين.
سيجمع بايدن بين القوتين الخشنة والناعمة لإظهار أميركا من أنها قادرة على أن تقود العالم، لذلك هو كتب مقالا في مجلة الفورين بوليسي ليشرح وجهة نظره هذه ( لماذا على أميركا أن تقود من جديد ) ولا زالت لبايدن نظرة فوقية عن قيادة أميركا خصوصا حينما أسماها قيادة أميركا من جديد العالم الديمقراطي الحر، ورغم ذلك يرى بايدن أن أي قيادة جديدة لأمريكا فلن تكون إلا بالتعاون مع الحلفاء، وهنا يتساءل بايدن كيف لأميركا تقود العالم من جديد بعد إتمام انسحابها من معاهدة الأجواء المفتوحة، ومن معاهدة الصواريخ، ومن منظمة اليونسيكو، ومن مجلس حقوق الإنسان، ومن شراكة المحيط الهادئ، رغم ذلك يبدو أن فكرة بايدن لقيادة العالم تبدو غير واقعية ومشكوكا فيها خصوصا وأن الصين وروسيا لم تكن كما كانت في عام 2000.
رغم ذلك تنظر الولايات المتحدة إلى منطقة الشرق الأوسط بمنظار بعيدا عن التشنج مع احترام تحالفاتها، ولكنها تحرص في نفس الوقت على إبقاء التوازن بين الدول الإقليمية ولا مانع لديها في إبقاء الفوضى المحدودة من أجل أن تمسك جميع الخطوط في يدها، فلا تسمح لأي دولة إقليمية أن تحسم ملفاتها عسكريا، وفي نفس الوقت تطالب هذه القوى بعد انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة أن تعتمد على نفسها، وهي ازدواجية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
لذلك بدأت دول الاعتدال العربي تتخذ تدابير الاعتماد على نفسها عسكريا، وبدأت تصنع جزء من أسلحتها، لكن الولايات المتحدة في نفس الوقت ترى في إيران وتركيا وروسيا تهديدا مباشرا وغير مباشر لأمن المنطقة، وخاصة في سوريا، وكيفية مواجهة الدورين الإيراني والتركي في سوريا التوسعية المتنمرة، ما جعل إسرائيل تتولى مهمة إنهاء التموضع الإيراني في جنوب سوريا، بجانب تفريغ النووي الإيراني من قوته العلمية مثل قيام اسرائيل بثاني عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده العمود الفقري للمشروع النووي والبالستي الإيراني في 27/11/2020 وهي ثاني أكبر ضربة تلقتها إيران بعد مقتل قاسم سليماني على يد الولايات المتحدة عند زيارته العراق الذي كان يرعى قيادة الإرهاب في المنطقة.
وتركت دول الاعتدال العربي التنمر التركي للإتحاد الأوربي والولايات المتحدة، حيث تراجعت الاستثمارات الأوربية في تركيا من 16 مليار يورو إلى 7 مليارات بسبب تدخلات أردوغان، وكذلك عزوف كبير للمستثمرين المحليين والأجانب خصوصا بعدما دخل إردوغان في صراع مع السعودية ودولة الإمارات، ما جعل الاستثمارات الخليجية تخرج من تركيا، ما عدا استثمارات دولة قطر، ولكنها دولة صغيرة، بسبب أن ضخ الاستثمارات في الاقتصاد التركي مجازفة نتيجة انخفاض الليرة التركية أكثر من نصف قيمتها.
فبدأ أردوغان خطاب تهدئة من أن مستقبل تركيا لا ينفصل عن مستقبل القارة الأوربية، لكنه لن يقنع المستثمرين ولا الشركاء الغربيين، لكن الأوربيين يدركون أن أردوغان يحاول فقط الإنحناء للعاصفة ليخرج من مأزقه بأخف الأضرار السياسية والاقتصادية في الوقت الذي تواجه فيه بلاده وضعا صعبا تخشى معه تفجر الجبهة الاجتماعية.
إقليم الشرق الأوسط أكثر المناطق صراعا وأقلها تعاونا، لذلك هناك كسر قواعد اللعبة السابقة والرغبة الأمريكية في أن يكون هناك شرق أوسط أمن ودول قوية قادرة أن تدافع عن نفسها ومساهمة مع العالم في نشر السلام، وهو ما أثبتته المملكة العربية السعودية عند قيادتها لقمة العشرين من أنها دولة تمتلك مقومات الدولة القوية في الدفاع عن نفسها والقدرة على المشاركة في السلام العالمي.
تود إيران أن تستثمر المرحلة الانتقالية، وتود أمريكا أن تشعرها أن سياسة الولايات المتحدة ثابتة ولن تسمح لها باستثمار المرحلة الانتقالية، وتحاول إيران عرقلة سعي الكاظمي الذي يحاول إيجاد توازنات في العلاقات التي تقيمها بغداد مع العواصم الأخرى، وبشكل خاص مع السعودية، حتى أن المالكي التابع لإيران اعتبر الاستثمارات السعودية استعمار جديد، وكذلك عرقلة إيرانية لتشكيل الحكومة اللبنانية، وكذلك في اليمن لفرض أمر واقع، كان آخرها إطلاق الحوثيين صاروخ في اتجاه منشأة لشركة أرامكو في منطقة جدة، وهو ذو مغزى مهم يكشف أن الحوثي بات يسيطر سيطرة قوية على جزء من اليمن ويمتلك أسلحة قوية وصواريخ بعيدة المدى بعدما فرغت قوات التحالف الحوثي من أسلحته المتقدمة، فيما السعودية قادرة على مواجهة الحوثي والدفاع عن نفسها، لكن السعودية تراعي حسابات دولية لا ترغب في حسم الأزمة اليمنية.
منذ التسعينات الماضية كانت هناك محاولات للسلام بين إسرائيل وفلسطين بدلا من الحروب والصراع، لكن دخول إيران أعاقت هذه المسيرة، فحاول أوباما الاستعانة بتسليم الإخوان المسلمين الملف بعد التمكين في حكم مصر، لكن أفشلت السعودية والجيش المصري بدعم الشعب المصري هذا المشروع.
تغيرت اليوم قواعد الاشتباك والتماس بعد صعود دول الاعتدال العربي التي بدأت تفرض رؤيتها، وهناك طرق لبناء الثقة في عالم تسوده الفوضى والحروب عبر الوكالة لإيران وتركيا، فهناك محاولة من قبل دول الاعتدال العربي لبناء صف عربي قادر على منع التدخل الخارجي وتمتين حزام السلام، خصوصا وأن هناك توافق في مجموعة العشرين على مبادرات وسياسات السعودية عند قيادتها للقمة في 2020 بل استطاعت السعودية أن تضع بصمتها على الخريطة القيادية في العالم عبر رئاسة العشرين، ومبادرة الرياض كانت طوق إنقاذ لإصلاح منظمة التجارة العالمية بعد أزمة الجائحة، ورسخت قواعد التعاون الدولي وحماية الاقتصاد العالمي وقت الأزمات، لم تكن دول الاعتدال العربي لا ساكنة ولا مستسلمة وكانت عقبة وعصية على التفكيك، فيما هي دائما مستعدة لكي تعيد بناء ترتيب أوراق المنطقة.

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

توفير الحماية للمسجد الأقصى المبارك

سري القدوة تصاعدت سلسلة الجرائم والمؤامرات التي تمارسها سلطات الاحتلال العسكري بحق ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم