الرئيسية / WhatsApp / سويسرا: سحر الألب.. والثقافة المتجولة

سويسرا: سحر الألب.. والثقافة المتجولة

معمر عطوي

ميديا نيوز – حين تتحدث عن سويسرا، يعني ذلك أنك تتحدث عن جمال الطبيعة ورقي المجتمع وسعة الثقافات وتنوعها. أنت تتحدث عن قلب أوروبا النابض بسحر الألب، حيث الرياضات المتنوعة التي يمارسها هواة ومحترفون من أعالي الجبال وصولاً الى قاع البحيرات وضفاف الأنهار العذبة، في ظل هدوء لافت يصبغ وتيرة الحياة ويجعلها منتجعاً صحيّاً ومقصداً سياحياً، وفي الوقت نفسه ملاذاً للهاربين من الاضطهاد والحروب.

الثقافة المتجولة

لا تنتظر الثقافة في سويسرا الناس لكي يرتادوا بلاطها. بل تتبعهم أينما حلّوا، وترافقهم في تجوالهم وطعامهم وشرابهم وتسليتهم كظلالهم تماماً. هذا الشعب المُوزّع على ستة وعشرين كانتوناً تتآلف فيها لغات أربع، والذي يتجاوز تعداده الثمانية ملايين نسمة، قد يكون من أكثر الشعوب ثقافة وإتقاناً للغات. يتحدث نحو عشرين كانتوناً اللغة الألمانية أما الكانتونات الباقية فمنها أربعة ناطقة بالفرنسية وواحد ناطق بالإيطالية والأخير ناطق بالرومانية القديمة أي اللاتينية. هنا من النادر أن تجد مواطناً يتقن أقل من ثلاث لغات.

تمتد مساحة المعرفة في سويسرا لتتجاوز حدود الدولة الصغيرة البالغة فقط 41285 كيلومتراً مربعاً، أهم ما قد يشكل تقاطعاً بين اللغات الأربع فيها هي اللغة اللاتينية التي تُعتبر عمقاً تاريخياً أوروبياً يفهم معظم السويسريين أهميتها كأم للغات اللاتينية الحديثة رغم قلة عدد الناطقين بها (الناطقون بلغة الرومانش يعيشون في كانتون غراوبوندن ويبلغ عددهم نحو 185 الف نسمة يتقنون إليها الألمانية والإيطالية على الأغلب).

الثقافة هنا متجولة ليس بسبب الغنى اللغوي فقط، بل لأن الكتاب في المتناول أينما حل الشخص وهو جزء من المشهد اليومي كما في العديد من دول أوروبا. هناك صحف ومجلات متوفرة بشكل يومي وكخدمة مجانية في المقاهي والمطاعم والمسابح والأندية وبعضها يُوزّع في صناديق على الطرقات وفي الساحات العامة ومحطات وسائل النقل. الكتاب موجود أيضاً في الطريق والأماكن العامة كهدية لمن يريده أو وفق نظام تبادلي غير مباشر بين الناس.

الطفل محور الحياة

الطفل في سويسرا هو محور الحياة، له أقيمت الحضانات والحدائق والألعاب المتنوعة التي لا تشبع فقط ميوله نحو اللهو، بل تحقق له هوية احترافية في المستقبل. فالأطفال لا يشعرون بتهميش أو تجاهل بل يبدو واضحاً الاستماع لأحاديثهم وهواجسهم من أهاليهم ومرافقيهم، يمكن ملاحظة ذلك حتى في وسائل النقل أو الحدائق العامة الغنية بالألعاب.

كذلك هو حال كبار السن الذين خُصّصت لهم مراكز الرعاية واللهو التي تخفف من شعورهم بالوحدة. وهم يحظون بمساعدين وممرضين للاهتمام بهم وتوفير كل ما يلزم، وخصوصاً العاجزين منهم. هذا الى جانب ما تقدمه لهم الحكومة من تسهيلات وخدمات مجانية أو رسوم مخفضة في وسائل النقل والمسارح ودور السينما وغيرها من مرافق تسلية وخدمات.

سحر الألب والبحيرات

في سويسرا تتكامل الطبيعة بجمالها الخلاب مع سحر جبال الألب ووجوه الحسناوات. هنا ينطبق المثل القائل: “المياه والخضرة والوجه الحسن”، خصوصاً في انترلاكن الواقعة جنوب كانتون برن، حيث تلتقي بحيرتا تون وبيرنز. الألب هي سلسلة الجبال التي تتكون معظمها في سويسرا، والتي تصل ارتفاعاتها لنحو 4000 متر، خصوصاً في فاليه وكانتون برن. أما قمة مونتي روزا فهي أعلى قمة جبلية في البلاد (4634 )مترا فوق مستوى سطح البحر.

البحيرات هنا كثيرة وموزعة على العديد من المدن مثل بحيرة ليما الواقعة بين لوزان وجنيف، إضافة الى العديد من الأنهار والشلالات والجداول. لعل أبرز المعالم السياحية في البلاد، تبدأ من الجنوب حيث قمة جبل “ماترهورن”، في منطقة زيرمات؛ وتُعتبر منتجع التزلج الأول في سويسرا، وصولاً الى الشمال حيث مدينة زوريخ الشهيرة بنوافير بحيرتها والكنائس الأثرية علاوة على عشرات المتاحف والحدائق وصالات السينما ومسارح الباليه والأوبرا. رغم أن برن هي العاصمة الفعلية لسويسرا فإن جنيف (غرب) تكتسب الصيت الأكبر نظراً لكونها مقراً لأهم المنظمات والبعثات الدولية مثل الأمم المتحدة والصليب الأحمر والمراكز الثقافية والمالية العالمية، حتى باتت تُسمى بعاصمة السلام، وهي شهيرة أيضاً بنافورة جنيف على بحيرة ليما والتي يمكن رؤيتها من كل مكان. تعد بحيرة ليما من أكبر البحيرات في قارة أوروبا، وتقع في حدود سويسرا بنسبة 60 في المئة، وباقي النسبة من البحيرة تقع ضمن الحدود الفرنسية. كذلك في الغرب تقع لوزان التي تشتهر بكاتدرائية نوتردام وبحيراتها وحدائقها.

في الوسط هناك مدينة لوسرن التي تحتضن أقدم جسر خشبي مُغطى في أوروبا هو “جسر الكنيسة” الذي يعود بناؤه إلى القرن الرابع عشر وعليه عدد من الرسوم واللوحات الجميلة. وللإستفادة من المشي على ضفاف نهر آري أو صعود الجبال ورؤية الشلالات، أو القيام بنزهة في بحيرة، ليس هناك أجمل من انترلاكن، حيث تلتقي بحيرتا بينز وتون. أما في أقصى الجنوب فتقع مدينة لوغانو على الحدود الإيطالية، وتطلّ على بحيرة لوغانو حيث تشتهر بجولات القوارب المحيطة بالمدينة، وهي مقصد لمحبي تسلّق الجبال أيضاً.

بالنسبة لمدينة دافوس (شرق)، فقد اتخذت شهرة واسعة لإستضافتها المنتدى الإقتصادي العالمي سنوياً، لكن هي في الواقع من أهم المُنتجعات الشتوية في العالم.

أما مدينة بازل (شمال- غرب)التي تقع على الحدود الفرنسية والألمانية ويمر فيها نهر الراين، ففيها حديقة حيوانات هي من أفضل حدائق الحيوانات في العالم وللمدينة أيضاً أحداث تاريخية اشتهرت بها.

حدائق مُعلّقة

الطبيعة في سويسرا، هي عبارة لوحة فنية تتمرأى في تلك البيوت المتشابهة بلا استثناء، من خلال عناية أصحابها بالورود المتدلية من النوافذ كحدائق مُعلّقة. أما الشوارع والطرقات فتتحلى بنظافة فائقة لدرجة اختفاء حتى أعقاب السجائر، بحيث يمكن للمرء السير حافياً لمسافات طويلة من دون تعرض قدميه لأي أذى.

أما الأملاك العامة فهي في حفظ وصون المواطن إلى درجة التعامل معها كملكية خاصة. يمكن ملاحظة ذلك في نظافة المراحيض والحدائق والمسابح العامة التي بمعظمها مجانية.

قد تبدو سويسرا مكاناً صعباً للعيش لمن تعوّد على الفوضى وعدم احترام القانون والبيئة والنظام العام، بدءاً من فرز النفايات وعدم القاء أعقاب السجائر في الشوارع وعدم إزعاج الجيران بالأصوات العالية، وصولاً إلى آداب الطعام والشراب وكيفية التعامل مع الطفل وكبير السن والمُحتاج، مروراً باحترام المواعيد وتقدير قيمة الوقت التي بلا شك تُعتبر من أساسيات تقدّم هذه الأمم.

يسميها البعض بجنة الأرض لما فيها من سحر طبيعة ونظام متطور وحياة راقية، وسياسة تستمد قوتها من إرادة الشعب، حيث تشهد البلاد سنوياً عدة استفتاءات حول قضايا هامة سياسية واجتماعية وثقافية وغيرها. لكن على مستوى الهجرة فإن سويسرا ورغم أنها شهدت توقيع أهم الاتفاقيات الدولية حول حقوق الإنسان و قوانين اللجوء، فإن موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها أوروبا في زمن الثورات العربيّة جعلت سلطات البلاد تتفاجأ بهذا الكم الهائل من البشر الوافدين من كل حدب وصوب. لذلك لم تكن معاملة السلطات لهؤلاء على المستوى الإنساني تليق بسمعتها وأهدافها الإنسانية.

بأي حال لا تزال سويسرا خارج الاتحاد الأوروبي وخارج منطقة اليورو، رغم أنها ضمن فضاء شينغن، بحيث يمكن للسائح الذي يحمل فيزا أوروبية أن يدخلها، لكن عملتها لا تزال الفرنك السويسري والذي يقارب في سعره سعر الدولار الأميركي. ولا تزال تشكل حلماً للعديد ممن يسكنون في بلدان أوروبية فقيرة نسبياً، حيث تغريهم الرواتب التي يتقاضاها العاملون في سويسرا والتي ربما كانت من أعلى مستويات الدخل (متوسط الدخل 4000 فرنك) في “القارة العجوز”، رغم أن المعيشة والعقارات مُكلفة جداً والتعليم أيضاً. لكن تبقى سويسرا “جنة” على الأرض بالنسبة للكثير من الباحثين عن مكان هاديء وجميل وآمن.

تعليقات فيسبوك

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

CNN : أنصار البشير حاولوا تهريبه من سجنه المُحصن بعدما اقتحموه

الخرطوم – ميديا نيوز – حاول أنصار للرئيس السوداني المعزول عمر البشير تهريبه من محبسه ...

Translate »لأن لغة واحدة لا تكفي ميديا نيوز بكل لغات العالم