الرئيسية / WhatsApp / قراءة لوحة الغلاف الروائي….. من البصرية إلى الدلالية

قراءة لوحة الغلاف الروائي….. من البصرية إلى الدلالية

(ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي 2019)

د. رشا ناصر العلي  – ميديا نيوز – سوريا

علينا أن ندرك ونعترف أننا نعيش عصر الصورة والتصوير، ومن هنا دخلت الصورة في بنية الأعمال الأدبية، فإذا كانت الصورة الكلامية تعطي للنص قيمته الفنية والأدبية فإن الصورة البصرية تخطف انتباه المتلقي، وهذا الحضور القوي للصورة أو التشكيل البصري له أهميته منذ أقدم العصور، بل إنه أقوى من الحضور اللغوي للإنسان، لذلك دون الإنسان القديم ورسم ومثّل كل تفاصيل حياته على جدران المعابد، فضمن لتعبيره الخلود على مر الزمان.ربما لأنه أدرك بفطرته أن اللغة متغيرة متطورة مختلفة، تختلف باختلاف الأجيال والسنون، أما الفن التشكيلي فخالد على مدى الدهر.

وقد راهن الخطاب الروائي العربي الجديد على تحطيم الجسور بين عالمه وعالم الفنون الأخرى وبخاصة الرسم والفن التشكيلي مستفيداً من تقنياته ومن آليات تشكيل خطابه البصري، ولذلك تعددت وسائل الاستعانة بالفنون التشكيلية في الرواية العربية من أجل زيادة التفاعل والتواصل، ولتشكيل رواية حسية معنوية في آن، وتكوين صور مرئية سردية تستحضر الغائب وتمثله في عناصر مختلفة.

وما يهمنا في هذا البحث هو صورة الغلاف الخارجي التي تتصدر الرواية، وهنا نشير إلى أن كثيراً من القراء يقدمون على قراءة النصوص الروائية دون أن يلفتهم الشيء الأول فيها, وأعني بذلك غلاف الرواية, وعندما أدعو القارئ إلى أن يوجه نظره إلى الغلاف, فإني أهدف أن أيسر له القراءة, لأن الغلاف يمثل مرحلة تمهيدية أسميها مرحلة ( ما قبل النص ), ومن أوليات هذه المرحلة : (الغلاف ) فما أهمية الغلاف ؟

الغلاف في مرجعيته المعجمية هو (الغطاء الذي يحتوي أشياء مادية ومعنوية)، وهو في الرواية يقدم (علامة أيقونية) قد تكون صورة فوتوغرافية، وقد تكون لوحة فنية، وقد تكون رسوماً تجريدية تخفي أكثر مما تظهر، وقد يكون الغلاف فراغاً طباعياً ذا لون معين، وكل هذه المكونات تحمل شحنة دلالية تثير القارئ، وتلفته إلى بعض ما سوف يواجهه في النص ذاته، وبخاصة عندما يتحول الغلاف إلى تشكيل لوني ذي طبيعة درامية بفاعلية تصادم هذه الألوان مع بعضها من ناحية ، ثم تصادمها أو توافقها مع التشكيلات المرسومة أو المصورة من ناحية أخرى، وهو ما يحوج القارئ إلى القيام بعملية تفكيك لهذا الغلاف، وتحديد مكوناته وما بينها من توافق أو تصادم، شريطة أن تستعيد القراءة للغلاف حالته الطبيعية التي كان عليها قبل عملية التفكيك، إذ ليس من المقبول أن تظل هذه المكونات مبعثرة في عملية القراءة .

اعتماداً على ذلك سوف يقارب البحث مجموعة من الأغلفة الروائية، ومن ثم تتعاون حاسة البصر مع الإدراك الذهني في قراءة هذه الأغلفة وربطها بدلالات النصوص، وهذا يعتمد حضور المتلقي الإيجابي الذي يتابع مكونات الغلاف الروائي بالتفسير حيناً، والتأويل حيناً آخر.

سوف نقدم قراءة للوحة الغلاف لرواية الكاتبة السورية غادة السمان، التي تحمل عنوانا مزدوجاً (الرواية المستحيلة / فسيفساء دمشقية)، وبالأخص أن هذا الغلاف كان من اختيار الكاتبة نفسها، وقد أشارت إلى ذلك في الصفحة البيضاء قبل الإهداء حيث تقول: “لوحة الغلاف (عريس الزين) زيتية أبدعها الفنان اللبناني الكبير رفيق شرف وتُنشر بإذن خاص منه”.

ومن اللافت للنظر إلحاح الروائية على اختيار لوحاتها، ومن ثم أبدت كفاءة عالية في نسج علاقات تلك اللوحات بالمتون النصية،وتجدر الإشارة إلى أن الكاتبة غادة السمان لاتكتفي بتحريض القارئ على فعل القراءة من خلال مسرودها، بل تمعن أيضاً في تنشيط مخيلته لاستجلاء علاقات التفاعل بين أغلفة رواياتها و دلالاتها داخل المتن الروائي، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن مقاصد السرد في رواياتها تنطلق من تلك الأغلفة، وتتشكل في فضاءاتها، وتتوجه إليها بمهارة حكائية لافتة، ولعل ما يميز رواياتها – على المستوى الفني- وسائل تشكيل الروائية لموادها قبل اللفظية وتحويلها من مواد صماء إلى مواد فاعلة من جهة صلتها الوثيقة بمكونات السرد.

وكانت قد نوهت–في الرواية المستحيلة- في الصفحة التي يُكتب عليها ملاحظات حقوق النشر الخاصة بدار النشر التي تملكها غادة السمان، إلى أن الغلاف الخلفي صورة للمؤلفة بعدسة حازم الداعوق، وهذا له دلالته التي سوف نكتشفها بعد الانتهاء من قراءة الرواية، لاسيما تداخلها مع السيرة الذاتية، وكيف أنّ هذا النص يحمل أشتاتاً من سيرة الكاتبة، وكأنّها أرادت أن تُظهر ذاتها على الغلاف الخلفي لتقول: أنا البطلة التي كنت متخفية في هذا النص.

أما بالنسبة للغلاف الخارجي الأمامي فإن قراءته، أي قراءة اللوحة التي تصدرته ذات صلة وثيقة بدلالات النص الداخلية، وبالأخص أنه (أي الغلاف) كان من اختيار الأديبة (غادة السمان)، حيث يظهر في اللوحة عنتر يمتطي حصانه شاهراً سيفه للدفاع عن الأنثى التي تجلس خلفه، هو يبدو عليه ملامح الثقة والقوة، وهي يبدو عليها الضعف مما يتطلب منها البحث عن الحماية الذكورية.

إن هذا الغلاف كان بمثابة سؤال: هل هذا النمط الذي تجسده اللوحة, مازال سائداً؟ وهل استطاع النص أن يهزّ هذا النمط من علاقة الذكر بالأنثى؟ إن قراءة الرواية سوف تقدم لنا الإجابتين, وخاصة إذا علمنا أن لوحة عنتر وعبلة في حقيقتها التاريخية في المرويات العربية, تقدم عبلة على عنتر, فهي الحرة, وهو العبد, معنى هذا أن اللوحة تقدم المعنى الظاهر, لكنها تبطن ما سوف يتحقق في النص من تعديل العلاقة بين الذكر والأنثى.

هذه اللوحة الموجودة على الغلاف هي نفسها المعلقة في صدر بيت آل الخيّال (محور أحداث النص)، وهي تمثل ثقافة المجتمع الذي يصوره النص، هذا المجتمع الذي رسخ في الأنثى كينونتها الضعيفة، فهي لاتستطيع أن تدافع عن نفسها لذلك تبحث عن الحماية الذكورية، وهذا النمط من الأنثى يسيطر على نص – الرواية المستحيلة- ذلك أن ثقافة المجتمع أنتجت شكلين متناقضين للأنثى: الأنثى النمطية – وهي الغالبة على السرد- والأنثى المتمردة التي تقوم محاولات المجتمع تهميشها واقصائها هن المتن.

أما الأنثى النمطية فهي أنثى مهمشة ومغلوب على أمرها، لا تعترض في تصرفاتها على مايشترطه العرف الاجتماعي، وهي – في الغالب محرومة من مباشرة حقوقها في التعليم والعمل وإبداء الرأي، بهدف تعطيل إرادتها وتفريغ وعيها لتصبح طيّعة للدخول تحت سلطة الذكر، ومن ثم تشعر الأنثى بأنها ضعيفة وبحاجة إلى حماية الذكر في مجتمع لايعترف بوجود الأنثى إلا إذا كانت في حماية زوج، ومن هنا جاء مفهوم (ستر البنت) في بيت زوجها وتهيئتها لهذا المستقبل الزوجي الحتمي منذ سن مبكرة، ونموذج هذه الأنثى التي قدمها السرد في هذا النص هو (الجدة حياة) التي فُرض عليها الزواج في سن مبكرة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، ومن ثم تحولت إلى آلة للإنجاب حتى بلغت ولاداتها تسعاً في سن لم تكن فيها قد اكتملت عناصر الأمومة الصحيحة، وقد حُرمت من التعليم، تعيش حبيسة البيت لاتغادره إلا في المناسبات الخاصة والاستثنائية، ويكاد يكون عملها خالصاً لخدمة الزوج وأبنائها. لقد وصلت هذه الأنثى إلى مرحلة التشرب التامّ لمعتقدات مجتمعها وأعرافه في أن الأنثى عورة، ولابد من سترها سريعاً بالزواج، ولذلك لم تهتم بتعليم بناتها فما فائدة الشهادة إذا كان مستقبل الأنثى الزواج والأولاد؟ لذلك زوجت بناتها في سن صغيرة وكذلك حفيداتها، ومنهن خزامى التي أسفت بعد الزواج لأنهم أخرجوها من المدرسة من أجل تزويجها.

إن (الحاجة حياة) تكاد تنحصر مهمتها في النص في تهيئة الأنثى للدخول في ملكية الذكر، لذلك تنقل لبناتها ثقافة الخضوع التي تربت عليها، فهي تؤمن بأنه على الأنثى أن تخضع لزوجها خضوعاً مطلقاً فلاتعترض على تصرفاته، وتتحمل قسوته وضربه لها أحياناً، وعليها أن تستسلم له وتطلق يده للتحكم بها وتشكيلها على النحو الذي يريد، فتصبح تابعة له وهو المتبوع، لذلك اتجهت بتوصياتها لبناتها، فعندما ضاقت (ماوية) بظلم زوجها لها وضربه المتكرر، عبّرت عن رغبتها في الطلاق فتقدّمت لها أمها بالنصائح الآتية:

“ضرب الحبيب زبيب” و “الرجل في البيت رحمة ولو كان فحمة، فكوني طويلة البال”.

وكذلك اشتكت لها بوران معاناتها مع زوجها، وكيف أن أي عبارة يتبادلانها كانت مدعاة للشجار، وعن تهديده لها بالزواج من أخرى وبالأخص بعد أن فقدت جاذبيتها وترهل جسدها من كثرة الإنجاب، فرفضت أمها فكرة الطلاق مؤكدة: “زوجك تاج رأسك كيفما كان”، ثم تتوجه (حياة) بنصائحها لحفيداتها فتقول الخزامى: “زوجك قبرك فلا تناكديه”، وإذا ما لمحت عند حفيدتها زين (بطلة النص وأكثر الشخصيات تمرداً) ملامح عصيان وتمرّد توجهت لها بالنصيحة الآتية: “لاتقضي عمرك في نكش أعشاش النحل والدبابير كي لاتتعبي”.

إن الأنثى النمطية ترفض الأنوثة بناء على رفض المجتمع لها، فالمعوّل عليه هو الذكر لا الأنثى، لأن الثانية لاتحمي الزواج، من هنا جاء خوف معظم إناث النص من أن يكون ثمرة حملهن بنتاً، وهكذا استقر في لاوعي الأنثى النمطية أنه لامكانة لها في المجتمع إلا إذا أنجبت ذكورا، أما إنجاب الإناث فمصيبة، إذ لاتستطيع أن تعزز مكانة أمها في مجتمع ذكوري ظالم.

لقد نجح المجتمع والثقافة السائدة في جعل الأنثى بحاجة دائمة إلى حماية الذكر ووصايته، ولقد مثل السرد وضع الأنثى الطالبة للحماية الذكورية في لوحة عنتر الذي يمتطي حصانه شاهراً سيفه لحماية أنثاه. إن هذا التمثيل الرمزي في اللوحة المعلقة في بيت الخيال يعكس واقع الأنثى في هذا المجتمع وسعيها للحصول على الحماية الذكورية، كما هو حال (فهيمة) الخادمة الجديدة في بيت الخيال، حين رأت (ريمون) عامل المدبغة الذي وقعت في حبه منذ النظرة الأولى، فأصبحت أسيرة جماله وجاذبيته، ومنذ ذلك الوقت وهي تحلم وتبني آمالها: “تتخيله يحيطها بذراعيه القويتين ليحميها من شر الفئران التي تقفز حولها في الظلمة، والصراصير التي تسرح في فراشها الرث المرمي على البلاط البارد، والبق الذي يتقن عضها كلما وجد النوم سبيله إلى عينيها.. قالت لنفسها إنّ هذا (الشاطر حسن) الذي تدّعي زين أنّه عامل مدبغة هو الذي سيحملها خلفه على حصانه كما في اللوحة التي تزيّن غرفة بيت معلمها لعنتر شاهراً سيفه في وجه الأشرار الذين يريدون التهامها لحماً ولفظها عظماً، كما تحذرها ستها حياة”.

وهكذا وبعد أن جُردت الأنثى من كلّ وسائل الحماية من مثل العلم و العمل وإبداء الرأي، لم يبق أمامها إلا أن تتبع الذكر وتخضع له.

لكن الأدوار في اللوحة المذكورة لم تبق كما هي، إذ استطاعت الأنثى بتمردها أن تجعل الذكر ظلا لها، أي تابعا لها وهي المتبوعة. هذه الأنثى قادها السّرد من الخضوع إلى التمرّد عن طريق خلق الظروف المناسبة لمثل هذا التمرّد على الثقافة السائدة، وهنا يقدّم السرد مجموعة من النساء المتمرّدات اللواتي فقدن ثقتهنّ وإيمانهنّ بالأطر الثقافيّة القديمة التي حصرت الأنثى في الهامش وضيّقت الخناق عليها، فعاشت الظلم والمعاناة في جميع مراحل تطوّرها العمري: طفلة وصبية وزوجة ومطلقة وأرملة.

ونلفت الانتباه هنا إلى أنّ تمرّد الأنثى لم يكن على طول الخط عمليّة انفعاليّة وقتيّة، بل كان – في أحيان كثيرة – مؤسساً على وعي بكينونتها، وهو ما دفعها إلى النجاح في عملها، مثل فيحاء التي استطاعت بعد رحلة كفاح طويلة أن تعمل في التدريس، وأن تنضم إلى الاتحاد النسائيّ لتدافع عن قضايا المرأة، ومنذ ذلك الوقت وهي تشجع النساء على العمل والعلم، وتحدثهنّ عن الاتحاد النسائيّ الذي تأسس منذ مدة وانتمت إليه، وعن سعادتها في عملها. تقول لعمتها بوران التي لا يعجبها ما تنشره ابنة أخيها (فيحاء) من أفكار عن حقوق المرأة وحريتها:

“أنا حرّة. ما من رجل فوق رأسي يأمرني بشيء. الحمد لله أنني حرّة ولن أتزوج إلا رجلاً يتركني حرّة”.

وهذا يعني تغيّر بعض الأوليات في حياة المرأة، إذ لم يعد يتقدّم الرجل جدول مهامها في الحياة، فهناك العمل أولاً، ثمّ الرجل الذي يدعم حريّة المرأة ويحترم إرادتها وعقلها، ولكنّها في الوقت نفسه تبحث عن ضمان لها في علاقتها بزوجها، لذلك اشترطت على خطيبها أن تكون العصمة في يدها، قبل ذلك أخبرت (فيحاء) عمها (أمجد) أنّها تعرفت على شاب قروي من أسرة ميسورة وهو متعلّم ويعمل مدرساً مثلها، ولم تكتف بذلك، إذ أخبرته أنّها تريد الزواج منه، ومن ثمّ جاء الخطيب فعلاً لزيارتهم وسط دهشة الجميع، لأسلوب في الزواج لم يألفوه من قبل أولاً، ولأنّ الخطيب يصغر فيحاء – المتوسطة الجمال والضخمة- ثانياً، وفوق ذلك يحبها. ومن ثمّ تتالت ردود الفعل والمقارنات ما بين فيحاء وعريسها، إذ:

“تأملته ماوية ناعماً نحيلاً وقامته أقلّ طولاً من قامة فيحاء الفارعة الضخمة، وقالت لنفسها: على الأقل ليس بوسعه أن يضربها! أعجبها منظرهما كثيراً وتخيّلت عنتر اللوحة يجلس وراء عبلة على الحصان الأبيض ويتمسّك بها!..”

إنّ الوصف السابق لكلّ من فيحاء وعريسها يعكس رغبة السرد في نقل مواصفات الذكر للأنثى، والأنثى للذكر، وكأنّ الأنثى بتمرّدها تكتسب صفات ذكوريّة، وبالأخصّ إذا عرفنا أنّ فيحاء احتفظت بالعصمة لنفسها ضماناً لحقوقها، وقد قبل الزوج بذلك، وهكذا تنقلب الأدوار الممثلة في لوحة عنتر وعبلة، إذ يحتمي الذكر بالأنثى التي تتقدّمه على الحصان الأبيض، ويتمسّك هو بها.

واللافت أن لوحة الغلاف التي حلت (فيما قبل النص) قد تحركت إلى (داخل النص) الموجودة على الغلاف هي نفسها المعلقة في صدر بيت آل الخيّال (محور أحداث النص)، وهي تمثل ثقافة المجتمع الذي يصوره النص، هذا المجتمع الذي رسخ في الأنثى كينونتها الضعيفة، فهي لاتستطيع أن تدافع عن نفسها لذلك تبحث عن الحماية الذكورية، وهذا النمط من الأنثى يسيطر على نص – الرواية المستحيلة- ذلك أن ثقافة المجتمع أنتجت شكلين متناقضين للأنثى: الأنثى النمطية – وهي الغالبة على السرد- والأنثى المتمردة التي تقاوم محاولات المجتمع لتهميشها وإقصائها عن المتن.

لكن الأدوار في اللوحة المذكورة لم تبق كما هي، إذ استطاعت الأنثى بتمردها أن تجعل الذكر ظلا لها، أي تابعا لها وهي المتبوعة، وهكذا تنقلب الأدوار الممثلة في لوحة عنتر وعبلة، إذ يحتمي الذكر بالأنثى التي تتقدّمه على الحصان الأبيض، ويتمسّك هو بها.

كل هذه المستخلصات تجلت على صفحة الغلاف، ثم أوغل هذا الغلاف في تحقيق مستخلصاته من (حصان عنتر) الذي يشير في خفاء إلى ذوبان النوعية ، إذ يحمل هذا الحصان وجهاً قريباً من الوجه البشري، وكأنه يستعيد أسطورة (القنطور)() وقد أخذ الوجه طبيعة ذكورية، ومن ثم يمتد عرف المفاضلة بين الذكر والأنثى لتكون مفاضلة كيفية وكمية ونوعية.

ثم ينضاف إلى كل ذلك توظيف اللون ، فصورة عنتر يسيطر عليها اللون الأحمر بكل مرجعيته في القوة والعنف، بينما تأخذ عبلة لون الاحمرار الباهت الذي يشير إلى الضعف، أما خلفية اللوحة فيسيطر عليها اللون الأسود لتشتعل الدرامية اللونية من تصادم الألوان، وتصادم الشخوص، وتصادم الأمكنة بين الأمام والخلف، مع الأخذ في الاعتبار أن رسم الحصان جاء في حالة الحركة، مما يعنى أن النسق الثقافي الذي يشمل اللوحة له قوة متحركة تلاحق علاقة الذكورة بالأنوثة مع اختلاف الزمان واختلاف المكان، واختلاف الشخوص.

(2)

ويستمر البحث مع غلاف آخر، هو غلاف رواية (بروكلينهايتس) ()  للروائية المصرية ميرال الطحاوي.

ووقوفنا أمام هذا الغلاف ، كان لطبيعته المميزة ، إذ يكاد يكون تلخيصاً للنص ، برغم أن الناشر أشار إلى أن صورة الغلاف لوحة مهداة من أحد الفنانين، برغم ذلك أرى أن هذا الفنان لم يقدم لوحته إلا بعد أن قرأ مسودة الرواية .

تضم لوحة الغلاف أنثى تصطحب طفلها في طريق ضبابي، ويحيط باللوحة سواد قاتم تخترقه ستارة شفافة، مع بعض الأركان الخشبية التي تشير إلى بيئة غير عربية ، أما سماء اللوحة، فيغطيها بياض مشرب بحمرة باهتة. أقول إن اللوحة تلخيص للرواية، لأن السرد فيها يصاحب امرأة متزوجة تأخذ طفلها وترحل به إلى أمريكا، في منطقة محددة، هي (بروكلينهايتس)، وواضح أن الخلفية السوداء تشير إلى الزمن السابق على الرحيل ، وهو زمن يوغل في الماضي إلى مرحلة الطفولة التي عاشتها الراوية ، وما صحبها من تحولات ثقافية واجتماعية وبيئية في منطقة يسيطر عليها عالم البداوة الصحراوية ، وحركة الراوية وسط الظلام إشارة واضحة إلى أن هذا الظلام هو الذي حرضها على الرحيل تاركة عالمها القديم بكل ذكرياته، وتاركة زوجها الذي أنجبت منه طفلها لتدخل زمن (الاغتراب)، وتواجه عالم المهاجرين من كل الجنسيات والثقافات المتباينة، وكل ذلك شكل عالمها في الغربة، وقد عبرت عنه لوحة الغلاف بهذه الستائر الشفافة.

وبالرغم من أن اللوحة رسمت الأم ممسكة يد طفلها يسيران معاً ، لكنها باعدت بينهما ، حيث يمسك كل منهما بطرف يد الطرف الآخر ، ثم زرعت اللوحة عموداً خشبياً يبدو على البعد، لكنه في اللوحة يفصل بينهما ، مما يعني أنهما متماسكان ومنفصلان في الوقت ذاته، وهو ما تحقق داخل النص، إذ أخذ الطفل يتشرب تقاليد وثقافة المجتمع الجديد، ويبتعد شيئاً ما عن ثقافته التي حملها معه من بيئة طفولته المبكرة ، ووصل الأمر به أن يصرح لأمه بأنه لا يرغب في العودة إلى مصر مرة أخرى ، بل أبدى رغبة صريحة في تغيير اسمه، لأن اسمه يطابق اسم أبيه .

وتشكل اللوحة نوعاً من الدرامية اللونية التي تفصل الغلاف إلى لونين مركزيين، الأسود الذي يغطي أرضيتها وجوانبها والأم وطفلها، ثم السماء المفتوحة على اللون الأبيض الذي تتخلله مساحة من البني
الفاتح، ثم تتتابع الدرامية في المفارقة بين حجم الأم وحجم الطفل، وتتعمد اللوحة فتح طاقة نور محدود في الجانب الأيسر، ربما تكون هذه الطاقة إشارة تنبيه لهما إلى الطريق الصحيح الذي سيقودهما إلى عالمهما الأصيل.

والقراءة لا يمكن أن تتغاضى عن العلاقة التي يمكن أن تكون بين غلاف نص غادة السمان، وغلاف نص ميرال الطحاوي، هذه العلاقة التي تعتمد ثنائية (الأنثى والذكر) مع مغايرة دالة، إذ كانت الذكورة في غلاف غادة السمان مركز القوة والسيطرة، التي تسعى الأنثى للاحتماء بها، بينما كانت القوة والحماية منوطة بالأنثى في غلاف ميرال الطحاوي، أي إن الغلاف الأخير يعطي الأمل للأنثى في أن يتشرب ذكرها الصغير ثقافة هذا المجتمع الجديد الذي ألغى قانون المفاضلة بين الذكر والأنثى، وعاد بها إلى الأصل المحايد، ومن ثم لم تعد الأنثى في حاجة إلى الحماية الذكورية.

(3)

ومن هذين الغلافين المنتميين إلى كاتبتين مؤنثتين، نقارب غلافاً لكاتب ذكر، الكاتب السعودي (يحيى  امقاسم) في روايته (ساق الغراب)()

فقد تصدر الرواية غلاف يحمل صورة فوتوغرافية لجبال السروات في غرب السعودية ، والصورة تقدم قطاعاً رأسياً لهذه الجبال له خمس طبقات لونية، تبدأ من الأسفل بلون قريب من السواد لقتامته، يعلوه طبقة تميل إلى البني الداكن، يعلوها طبقة تجمع بين اللون الداكن ، وخط باللون السماوي الداكن أيضاً، ثم تأتي الطبقة الرابعة باللون السماوي الصافي، وصولاً إلى الطبقة الخامسة حيث ينفتح اللون السماوي ليقارب البياض، وبما أن الصورة لقطاع جبلي ، سمحت بتدخل خطوط متعرجة في كل طبقة تشير إلى طبيعتها الجبلية.

وصورة الغلاف على هذا النحو الذي تابعناه تثير تساؤلاً عن سبب اختيارها لتكون مدخلاً لهذا النص
الروائي، ويغلب على الظن أن الكاتب نفسه هو الذي اختارها، لأن وقائع النص تجري في منطقة جبلية شبيهة في لونها بلون (ساق الغراب) ولعل هذا كان دافع اختيار العنوان.

معنى هذا أن صورة الغلاف تتطابق تماماً مع العنوان، وهما يتطابقان مع مجمل السرد، وهنا يحضر تساؤل آخر عن سبب هذا التقسيم اللوني لطبقات الصورة، ولماذا كان البدء من أسفل باللون القاتم القريب من السواد، صعوداً إلى اللون الفاتح؟

إن الإجابة تحتاج إلى تجاوز الخطة المنهجية لهذه الدراسة في أن تكون عن (ما قبل النص) لكي تقارب (النص) على نحو محدود، إذ إن قراءة النص سوف تفسر لنا هذه الطبقات اللونية، ذلك أن قراءة النص يمكن أن تجعل هذه الطبقات معادلاً للطقوس التي قدمها، وهي – في مجملها- طقوس خمسة فرضت سيطرتها عليه، ووجهت وقائعه إلى أنساق تدميرية حيناً، وأنساق إحيائية حيناً آخر، ويمكن أن تكون أنساقاً مبكية حيناً ، ومبهجة حيناً آخر، وقد بدأت هذه الطقوس بطقس (الختان) وما صحبه من مفارقات
دامية، ثم طقس (الزرع والحصاد) في مفارقاته بين البهجة والحزن، ثم يأتي طقس (العرس) وحواشيه من الرقص والغناء، ثم طقس (الأنثى) التي رفعها السرد إلى عالم الأسطورة، وأعطاها حق امتلاك السلطة في هذه البيئة الصحراوية، وتنتهي الطقوس عند طقس (الموت) بثنائيته اللافتة، فهو موت قهري حيناً، وموت اختياري حيناً آخر.

في وعي القراءة، أن الطبقات اللونية الخماسية، تعادل خماسية هذه الطقوس التي أولاها السرد كل عنايته، بل إن هذه الطبقات اللونية يمكن أن تكون تلخيصا لمسار السرد الذي استحضر الإنسان في مجتمع الأعراف الصارمة، لينتقل من الفردية إلى الجماعية في (القبيلة) وسلطتها الزمنية والمكانية، ثم يصعد إلى سلطة (الإمارة) الناشئة، وصولاً إلى سلطة الدولة الجديدة، ثم يستعيد السرد – بالحلم – زمن الفرد مرة
أخرى، وبين الواقع والحلم، جاء الغلاف جامعاً بين مساحتين، الصورة بطبقاتها اللونية، وصفحة الغلاف التي غطاها البياض المحيط باللوحة من كل نواحيها، وهو ما يمكن أن يشير إلى رغبة مضمرة للإبداع في تجاوز الحصار المكاني، والحصار السلطوي، والانطلاق إلى آفاق الحرية الحقة.

ويمكن أن نقدم إشارة لها أهميتها في ربط هذا الغلاف بالغلافين السابقين في ترسيخ انكسار النوعية، ذلك أن (السيرة) تكاد تكون ركيزة السرد، مع نوع من التغاير، إذ إن الغلافين السابقين قد استحضرا نسقاً ثقافياً جمع بين (الأنثى والذكر) ودخول الثنائية دائرة المفاضلة، أما النسق الثقافي في الغلاف الأخير، فكان عن الصدام بين (القبيلة والدولة)، لكن هناك جامعاً مشتركاً بين الأغلفة الثلاثة يتمثل في (القهر) قهر الذكر للأنثى، وقهر الدولة للقبلية .

()   القنطور مخلوق أسطوري في الميثولوجيا الإغريقية ، له جسد حصان ورأس إنسان ، وحياته في الجبال.

(2)   بروكلينهايتس – ميرال الطحاوي – ميريت بالقاهرة سنة 2010

(3)   ساق الغراب – يحيى امقاسم– ثقافة للنشر والتوزيع سنة 2009.

تعليقات فيسبوك

x

‎قد يُعجبك أيضاً

” إشكاليات الهوية في المسرح العربي “..في المائدة المستديرة بالمهرجان المعاصر والتجريبي

علي ماجد شبو : ميديا نيوز – القاهرة. من حالات التفاعل المهمة التي شهدها مهرجان ...

Translate »لأن لغة واحدة لا تكفي ميديا نيوز بكل لغات العالم