الرئيسية / WhatsApp / قيادة العالم .. أم سدة العالم؟

قيادة العالم .. أم سدة العالم؟

دينا الزيتاوي

ميديا نيوز – أصف هنا السلوك السياسي للقوة العظمى المهيمنة ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية في السياسة الدولية، مع الابتعاد عن جدلية استمراريتها أو انكفائها، بالرغم من الذهاب إلى مواطن قوتها و ضعفها في الخارطة الجيوسياسية الحالية.

أكد عظماء السياسة كابن خلدون و الأخوين بروكس و شينغلر أن وجود قطبين لقيادة العالم يعطي توازناً للحياة السياسية و الأمن العالمي، لكننا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في نهايات القرن الماضي نشهد انفراداً أمريكياً بالصدارة و بعالم أحادي القطب، عالم ذو نزعة قتالية ترسخ المفاهيم الأمريكية و الحلم الأمريكي بالبقاء متفردة حتى لو بإغراق الأرض بالدماء مقابل أن تبقى شرطي العالم الأول الذي ينشر أفكاره و أسلحته بالقوة.

بدأت أمريكا سطوتها عن طريق التحكم بفكرة الإنتشار الذي أعطى نموذجها القوة، فالاختراعات و الابداعات في الداخل الأمريكي و امتلاك الاسلحة و القدرة على تصنيعها وحدها غير كافية، بل فكرة الانتشار بكافة الوسائل و الآليات كالتجارة و الاتفاقيات الثقافية و استقبال المهاجرين المنتقين و عمليات الاحتكاك الضاري في الحروب المستمرة التي تحتاجها فيها الدول الأقل سطوة، و ما توفره التقنيات الحديثة للاتصالات من فرص لتوسيع رقعتها و تأثيرها في الآخرين، حتى في الجانب القيمي و الأخلاقي وهو الأخطر. حيث يرى الجيل الجديد أنها جذابة بالمطلق و قابلة للتجديد عبر الزمن و يمكن التفاعل معها بسهولة. و هنا تظهر الطبيعة غير القسرية للأفكار و القيم الأمريكية مثل الديموقراطية و الليبرالية التي تنتشر بشكل حواري و هادئ لتقود فيما بعد الى حروب للدفاع عنها و تمكين جانب السلاح من نفس المنارة المسالمة.

لا يمكن انكار أن الولايات المتحدة الأمريكية جمعت القوة الاقتصادية و العسكرية و التكنولوجية في يد واحدة و هو أمر غير مسبوق في العصر الحديث. حيث أن أمريكا قادرة على خوض عدة حروب و ليس حرباً واحدة في فترة زمنية قصيرة موحدة مع الحفاظ على تفوقها العسكري خاصة في مناطق الثقل الاستراتيجي التي تتعلق بالأمن الأمريكي كما تدعي. أضف إلى ذلك امتلاكها أكبر ترسانة من الأسلحة الفنائية و أسلحة حرب البيئة المعاصرة الآيكولوجية.

كما ان تعاقب الشخصيات الأمريكية على رئاسة مجلس ادارة صندوق النقد الدولي و خضوعه للقرار الأمريكي يفسره امتلاك أمريكا النصيب الأكبر منه ومن البنك الدولي للاعمار و التنمية منذ انشائهما، حيث تبلغ حصتها 41 مليار دولار و لها 17.5% من مجموع الأصوات داخله، هذا الثقل الذي ترتكن اليه أمريكا حين تحجب المساعدات و المعونات المالية عن الدول الأخرى لاخضاعها اقتصادياً و بالتالي تنفيذ قراراتها السياسية.

حجم القدرات الاقتصادية الأمريكية من حيث ضخامة الدخل القومي الأمريكي مقارنة بأقرب منافسيه (الاتحاد الأوروبي) يعد ضخماً خاصة مع ما قد يحدث بعد عملية بريكست و خروج دولة عظمى مثل بريطانيا من الاتحاد، مما يبقي امريكا في الصدارة بلا منازع لفترة قادمة قد تطول. كما ان احتفاظها بدورها المهيمن في التجارة العالمية أصبح يستند إلى قوتها السياسية كما هو الحال في فرضها عقوبات على السوق التركية و الصينية و الايرانية مما يكفل فتح المزيد من الأسواق و إزالة أكبر قدر من المعوقات التي تواجه صادراتها الخارجية. كما يضمن مكانتها كأكبر مقرض مباشر في العالم و هذا يعطيها امتيازات اضافية.

إن للولايات المتحدة الأمريكية ريادة في عالم التكنولوجيا في مجتمع يقوم على المبادرة و الابداع و المغامرة، و العامل التكنولوجي أساساً يقف وراء التفوق الأمريكي في الميادين الأخرى العسكرية و الاقتصادية ، حيث يؤكد البيت الأبيض دائماً “أن العلم في المصلحة الوطنية”. و قد لعب العالم التكنولوجي الأمريكي دوراً ناشطاً في تنشيط الاقتصاد الأمريكي و عزز هيمنتها المخابراتية عن طريق أقمارها الصناعية المنشرة و التي لا تخفي شيئا عنها، كما أنها قادت العالم إعلامياً و أمكنها التغلغل في عقول و عواطف الانسان المعاصر.

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في عصر الرئيس ترامب مرحلة المغلاة و الافراط في الاستمتاع بكونها في سدة العالم بلا منازع، و أصبحت الرئاسة الأمريكية تتحين الفرص لانهاء أي قرار بصدام عنيف اثباتاً لوجودها، فإلى أي مآل ستذهب؟

تعليقات فيسبوك

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شُكراً لِصَدرِكِ ..فهو كانَ وِقايتي

الشاعر علي الفاعوري شُكراً لِصَدرِكِ فهو كانَ وِقايتي حينَ ارتعدّتُ من الجَمالِ البِكْرِ والبردِ الشّديدِ ...

Translate »لأن لغة واحدة لا تكفي ميديا نيوز بكل لغات العالم