لكن العالم يتصدى لترامب

تحالف صيني مع أوروبا وروسيا

يقاوم الاتحاد الأوروبي حتى الآن طلبات الانضمام الصينية للدخول في تحالف تجاري كامل ضد الولايات المتحدة.

وكتب الباحث باتريك ستيوارت في Foreign Policy  أن “هذا الاحتمال أصبح أكثر احتمالاً… ليكون مثل هذا التحالف بمثابة تقليد شاحب لصفقات التجارة رفيعة المستوى التي تم الاتفاق عليها واتبعتها إدارة أوباما في مفاوضات الشراكة عبر المحيط الهادي وشراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي”.

هناك أيضا بوادر تفاهمات بين الصين وروسيا في ملفات قديمة، مثل سوريا والعراق، وأخرى جديدة مثل إيران. وربما تجد موسكو وبكين مصالحهما في تكوين جبهة سياسية واقتصادية، وربما عسكرية، في مواجهة مفاجآت ترامب التي لا تنتهي.

انتهت  حكومة المستشارة أنجيلا ميركل مؤخرا من صياغة إستراتيجية لتشكيل تحالف دولي جديد يهدف للتصدي عالميا للتوجهات القومية الانعزالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وقالت أسبوعية دير شبيغل الألمانية إن هذا التحالف سيركز على التعاون الوثيق بين أعضائه في السياسة الخارجية والتجارة الحرة والبيئة.

ونقلت المجلة عن وزير الخارجية هايكو ماس قوله “نحن بحاجة لتحالف دولي متعدد الأقطاب لدعم القواعد والهياكل القائمة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي يرفضها ترامب”.

ووفق رؤية ماس، تتبنى برلين من خلال إستراتجيتها الجديدة تشكيل شبكة من الدول ذات التوجهات الليبرالية المؤيدة للتعقل، والالتزام بقواعد اللعب المتعارف عليها في المشهد السياسي العالمي، ورفض العزلة والأنانية القومية.

وبالإضافة إلى ألمانيا، يضم التحالف الجديد الذي سيتم الانتهاء من صياغة تفاصيله نهاية العام الجاري اليابان وكوريا الجنوبية -اللتين أبرم معهما الاتحاد الأوروبي اتفاقية موسعة للتجارة الحرة- وجنوب أفريقيا وأستراليا والأرجنتين كما يضم جارتي الولايات المتحدة المكسيك وكندا.

وأشارت دير شبيغل إلى أنه جرى تعديل وتنقيح هذه الإستراتيجية مع كل تغريدة لترامب حول السياسة الخارجية لإدارته خاصة ما يتعلق بألمانيا وأوروبا.

وبدا لألمانيا حاجتها الواضحة للإستراتيجية الجديدة بعد تهديد الرئيس الأميركي خلال القمة الأخيرة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بالانسحاب من هذا التحالف الدفاعي الغربي ثم وصفه للاتحاد الأوروبي بالعدو.

وأدى هذا التطور وفقا للمجلة إلى “فقد برلين وباريس وبروكسل أي أمل بجدوى التعاون مع ترامب واعتبار حكومة ميركل بإستراتجيتها الجديدة أن الولايات المتحدة تحولت مع رئيسها الجديد من عمود النظام العالمي القائم إلى مدمر لهذا النظام”.

الإعلان عن التحالف الدولي الجديد سيكون خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل، الذي يناقش مشروع لإصلاح مجلس الأمن الدولي، على أن تكون الانطلاقة الفعلية لهذا التحالف باستلام برلين في أبريل/نيسان القادم مقعدها غير الدائم الذي انتخبت له لمدة عامين بمجلس الأمن.

تدمير الصداقات والاحترام

هجوم ترامب على العالم الليبرالي لا يتعلّق بالثمن الذي ستدفعه أمريكا فحسب، بل هو يدمر الصداقات والاحترام الذي يربط الأخيرة بحلفائها.

وإن نجح في مسعاه ستصبح أمريكا مثل روسيا والصين، ولن يكون للأعداء والأصدقاء أي دافع لدعم أمريكا في جهودها، وذلك لأنها قلّلت من شأن المؤسسات والقواعد العالمية، وتعاطت مع مُخرجات النظام التي تضمن مصالحها كما لو كانت تحصيل حاصل.

الباحثة كوري شايك New York Times

فهل تستطيع أوروبا إنقاذ النظام العالمي؟

تجيب Foreign Policy على السؤال سلبا.

فهناك ضعف الاتحاد بالأزمات المتتالية التي حدثت بسبب الهجرة الجماعية، والإرهاب، ومنطقة اليورو، والبريكست، والقوميون الشعبويون في حالة صعود في إيطاليا وأوروبا الشرقية.

يفتقر الاتحاد الأوروبي للوحدة، والديناميكية، والحسم المرتبطين بالولايات المتحدة، لكونه محاصرًا بين اتحاد جمركي واتحاد سياسي – والذي يعتمد بشدة على محور فرنسي- ألماني. ومن دون وجود الولايات المتحدة إلى جانبه – في مجلس حقوق الإنسان، من ضمن أماكن أخرى – سيجد الاتحاد الأوروبي صعوبة في الحفاظ على وحدة الموقف ضد الهجمات الاستبدادية من روسيا، والصين، وغيرهم من أعداء الحرية السياسية والنظام الليبرالي.

من أجل قيادة العالم، سيحتاج الاتحاد الأوروبي لمضاعفة جهود الإصلاح الداخلي، والحفاظ على وحدة الموقف ضد القوات الشعبوية والقومية، وإعادة التأكيد على التزامه بالتجارة الحرة، وتوسيع قدراته العسكرية المستقلة، وزيادة مساهماته في المنافع العامة العالمية (خاصة فيما يتعلق بتغير المناخ)، واستجماع شجاعته ليصبح نصيرًا دائمًا لحقوق الإنسان. إنها مهمة صعبة.

مع هذا، يبقى الاتحاد الأوروبي أفضل أمل لأنصار النزعة الدولية الليبرالية، حيث ينتظرون رؤية ما إذا كانت ثورة ترامب ستثبت أنها تصحيحٌ دائمٌ للمسار في الدور العالمي لأمريكا، أم أنها مجرد منعطف وطني مؤقت على يد قائد ضعيف فريد من نوعه.

لكن تقول المقولة الشهيرة: “كما تزرع تحصد.” يشير دونالد ترامب إلى أن العكس ربما يكون صحيحًا أيضًا. لقد زرع حاصد أرواح النظام الدولي الليبرالي الخصومة التي ستبقى لما بعد رحيله.

يقول الكاتب الأمريكي فريد زكريا إن قاعدة توسيع الهيمنة الليبرالية تبدو بسيطة: كُن أكثر ليبرالية، وأقلَّ هيمنة.

غير أنَّ واشنطن ترامب تسعى وبشكل واضح لتحقيق مصالحها الضيقة، وهو ما باعد بين واشنطن وحلفائها، وزاد جرأة أعدائها.

أميركا لا تزال الدولة الأقوى في العالم، وربما ستظل مُحتفظةً بنفوذٍ أكبر من أي دولةٍ أخرى، ولكنَّها لن تُحدِّد شكل النظام العالمي أو تُهيمن عليه كما كانت تفعل ما يقرب من ثلاثة عقود.

ولن يبقى من تلك الحقبة سوى الأفكار الأمريكية، إذ كانت الولايات المتحدة دولةً ذات هيمنةٍ فريدةٍ من نوعها، حيث وسَّعت نفوذها لإنشاء النظام العالمي الجديد الذي كان يحلم به الرئيس وودرو ويلسون، وبدأ تحقيقه على يد الرئيس فرانكلين روزفلت. وهو عالَمٌ خُلِقَ نصفه بعد عام 1945، ويُطلقُ عليه أحياناً «النظام العالمي الليبرالي»، وانشقَّ عنه الاتحاد السوفييتي ليبني عالمه الخاص.

غير أنَّ «العالَم الحُرَّ» صمد أمام الحرب الباردة، وتوسَّع بعد عام 1991 ليشمل معظم أرجاء العالم. وأسفرت أفكاره الخاصة عن «استقرارٍ ورخاء» دام على مدار ثلاثة أرباع قرن.

والسؤال الآن هو: هل سينجو النظام العالمي الذي رعته الولايات المتحدة رغم أفول نجم النفوذ الأمريكي؟

أم أنَّ الولايات المتحدة ستشهد هي الأخرى تراجعا في إمبراطورية الأفكار الخاصة بها؟