الرئيسية / WhatsApp / هل عجلت قمة العلا في استدارة تركيا واستعادة تموضعها ؟ … وخرج الإخوان بمفردهم خاسرون

هل عجلت قمة العلا في استدارة تركيا واستعادة تموضعها ؟ … وخرج الإخوان بمفردهم خاسرون

 

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
Dr_mahboob1@hotmail.com

 

منعت بريطانيا من ضم الملك عبد العزيز آل سعود دول الخليج الصغيرة إلى دولته ولعب حينها الملك عبد العزيز على التوازنات الدولية من أجل استقرار دولته الفتية ولم يتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها له في دول الخليج مقدرا حجم قوته بالنسبة لحجم قوة بريطانيا من أجل أن تبقى منطقة الخليج منطقة مقسمة باعتبارها منطقة استراتيجية تظل تحت الهيمنة الغربية حتى لا يصل إليها الاتحاد السوفيتي ومن أجل ضمان اقتراب الاتحاد السوفيتي سلمت منطقة الأهواز العربية لإيران في 1924 وكذلك الجزر الإماراتية قبل استقلال الإمارات بيومين في 1971 ومن قبل سيطرت إيران على جزر عربية مثل جزيرة صرى في عام 1964 وشيدت فيه مطارا حربيا مهما، وسيطرت على جزيرة اهنيجم في عام 1950 وكذلك جزيرة الغنم التابعة لعمان والواقعة على مضيق باب السلام المسمى بهرمز.

وطالبت إيران بلا هوادة بالبحرين واعتبارها جزء من إمبراطوريتها تاريخيا ففي 11 نوفمبر أعلنت إيران إلحاق البحرين بالتقسيمات الإدارية لإيران معتبرة إياها المحافظة ال14، لكن في 1971 أثبت الاستفتاء الشعبي رغبة البحرانيين في الحصول على الاستقلال وصادق مجلس الأمن على نتائج الاستفتاء لكن إيران مستمرة في المطالبة، وحاولت قلب الحكم في 1982 ثم حاولت مرة أخرى بالتسلل عبر ما يسمى بالربيع العربي عام 2011 لكن السعودية أرسلت جيشها وحمت البحرين.

وفي عام 1985 تعرضت الكويت لاختراق بري إيراني وقصف بالصورايخ ومحاولة اغتيال أمير الكويت، ساهم في هذا الاختراق حزب الله كما ساهم في البحرين، ولم تكتف إيران بل قامت في 1986 بمهاجمة ثلاث ناقلات كويتية و10 ناقلات متجهة للكويت وفي 1988 تمت تسمية حزب الله الكويتي الذي يرتبط بحزب الله اللبناني الذي امتد نشاطه إلى السعودية في الحرم المكي ولاقيام بتفجيرين في موسم الحج ولم تتوقف إيران عن استهداف دول الخليج ففي 2015 تم الكشف عن خلية العبدلي.

تاريخ إيران هدفه انتهاك حرمة الحرمين الشريفين تحت قيادة السعودية، وإثارة الفوضى ليس وليد اليوم، بل يوجد سجل حافل بالأحداث المؤسفة والمخزية التي تتنافى مع قدسية الأماكن المقدسة ولسنا في وارد حصرها هنا، لكن فقط نذكر أشهر مقولات الخميني وأكثر ها حقدا على السعودية، ما ذكره في عام 1987 قائلا ( إن نتنازل عن القدس ونسامح صدام ونغفر له من أساء لنا، أهون علينا من الحجاز لأن مسألة الحجاز هي نوع آخر، هذه المسألة هي أهم المسائل، علينا أن نحاربها بكل طاقاتنا وأن نحشد كل المسلمين والعالم ضدها، كل بطريقته ) لذلك كان عام 1987 قيام الحجاج الإيرانيين هذا الخطاب معروف لدى الغرب عبر الدراسات الاستشراقية عن العرب والمسلمين ما جعل فرنسا وأمريكا يتوليان دعم الخميني والانقلاب على الشاه حليفهم، فقط من أجل محاصرة السعودية وتدرك أن الخميني سيستخدم كل الطرق من أجل الوصول والهيمنة على الأماكن المقدسة في السعودية واكبر مثال على ذلك إطلاق الحوثيين صواريخهم على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة يبدو أن المصالح تغيرت اليوم ولم تتوافق مع ملالي طهران وأصبح الهم الرئيسي هو مواجهة الصين فلابد أن تستعيد المنطقة استقرارها حتى تتفرغ أمريكا للصين بدلا من انشغالها بمنطقة الشرق الأوسط والخشية أن تمتد يد الصين وحضورها الكثيف إلى المنطقة.

لم تقف التحديات على التهديدات الإيرانية لدول الخليج، بل واجهت السعودية عواصف القوميين والبعثيين والإسلاميين المتشددين، وفلول اليسار الشيوعي، في الخمسينات والستينات حتى التسعينات من القرن الماضي، ليس هذا فحسب بل تصدت السعودية لتصدير الثورة الخمينية التي زرعها الغرب انتقاما من السعودية على قطع النفط عن الغرب في 1973، ولم يكتف الغرب بذلك بل احتل العراق انتقاما من أحداث 11 سبتمبر 2001 في 2003 وتم تسليمه لإيران كبوابة للنفوذ الإيراني إلى المنطقة العربية وهو ما حدث بالفعل.

اليوم تستوعب الرياض التحديات الحالية والقادمة وتدرك أن جماعة الإخوان المدعومة أمريكيا وتركيا استطاعت اختراق دول الخليج الغني بالنفط والغاز عبر دولة قطر وعبر إمبراطورية إعلامية بحجة تصدير الديمقراطية حتى مجئ ثورات الربيع العربي التي هي جزء من تصدير الديمقراطية للمنطقة لكن فشل تصدير الديمقراطية في العراق جعل السعودية تقف بالمرصاد لهذه الموجة المزعومة وانتشلت بعد البحرين مصر من فك الإخوان ونتج عنه سقوط مدوي لهم، فزادت شراستهم للمنطقة عبر امبراطورية إعلامية تمتلكها دولة قطر ولم تتوقف عند هذا الحد بل ورطت أردوغان ونصبته خليفة لهم ووجد أردوغان بعد الانقلاب عليه في 2016 أنها فرصة لمنافسة إيران التي تود أن تستأثر بالمنطقة العربية بتمكين أمريكي وكذلك تركيا بتمكين أمريكي.

عالجت السعودية الأزمة التي نضجت بعد امتناعها عدد من المرات عبر وساطات كويتية وأمريكية لكن هذه المرة تمر المنطقة بتحولات وإدارة أمريكية جديدة، وعالجت الأزمة عبر الاحتواء قد لا يفهم كثيرون هذه المعالجة ويعتبرونها معالجة على طريقة العشائر، وهناك الإخوان الذين حاولوا التشكيك في هذه المصالحة لأنهم الخاسر الوحيد واعتبروا قطر المنتصرة، واعتبروا أن المصالحة تحت ضغط أمريكي من أجل ضربة أمريكية لإيران رغم أن ذلك لن يحدث بل أن إيران تحاول تجنب أي رد كبير ولا وتود إغضاب الإدارة الأميركية الجديدة.

فمصالحة العلا انتصارا سعوديا وانتصارا لمجلس التعاون الخليجي الذي وجد ليبقى، باعتبار أن الأزمة الخليجية كانت وضعا استثنائيا لسنوات مضت، لذلك ركزت المصالحة على مبادئ تجاوز الخلاف وقواعد لحوكمة علاقات الدول مستقبلا، وأساسيات الاتفاق عدم المساس بأي دولة أو التدخل بشؤونها أو تهديد الإقليم.

استقبل العالم أخبار قمة العلا ومصالحتها إذ أنه فهم أن هناك مرحلة جديدة ليس في علاقة البلدين فقط، وإنما في مسار مجلس التعاون الخليجي في ظل خلافات بين أميركا ولاصين ليسلط الضوء على أهمية المصالحة في هذا التوقيت.

القمة الخليجية ستنعكس على القمة العربية في إعادة تصويب السياسات العربية والاهتمام بمصالحها القومية، بل إن المصالحة الخليجية العربية مع مصر بوابة إلى مصالحات أوسع وأكثر شمولا مع تركيا لأنها وجدت في المصالحة رسالة بوقف التدخل في العمق العربي بعدما فتحت الخلافات شهيتها نحو التوغل جنوبا في المنطقة العربية وأرسلت جنودها إلى قطر وأنشأت قاعدة عسكرية طمعا بتوسيع نفوذها لكن تلقت عقوبات سعودية عربية أليمة ساهمت في انهيار اقتصادها، ما جعل تركيا تبارك هذه المصالحة وتعرض على دول المجلس تعزيز التعاون بعد اتفاق العلا باعتبار أن تركيا شريك استراتيجي له، فيما إيران اختارت لنفسها العداء الدائم للسعودية.

اكتشف النظام التركي أن السعودية ومصر دولتان لا تستطيع تركيا الوقوف أمامهما وكيف أنهما بددت أحلامه الوردية، وأعطته درسا أن الاستمرار في سياسة الصدام ستكلف تركيا غاليا من الناحية الاقتصادية وحتى السياسية وستزيد عزلته وعزلة تركيا.

وبعدما أبدى أردوغان عنادا ومكابرة غير مسبوقين في السنوات بعد إقامة القاعدة العسكرية في الدوحة عام 2017 من أجل أنه كان يراهن على انتزاع مكاسب جيوسياسية، وجعله يفجر معارك على أكثر من جبهة حتى وجد نفسه عالقا في أزمة شديدة اكتشف عندها أن حساباته كانت خاطئة وأنه لم يستوعب حجم القوتين السعودية والمصرية، ما جعله يتراجع عن كثير من المواقف المتشددة سواء فيما يتعلق بالملفات الداخلية أو الخارجية وسيتخلى الجميع عن دعم الإخوان أو استخدامهم كورقة.

هناك انعطافة في الموقف التركي تجاه ليس فقط السعودية بل حتى حيال فرنسا والاتحاد الأوربي وهناك مراجعة للسياسات الخارجية التي انتهجها أردوغان في الفترة الماضية والتي فاقمت أزمات أردوغان وبلاده فبدأ تعديل بوصلته تجاه السعودية وفرنسا بشكل خاص لأنه يرى أن السعودية مفتاح العرب، وفرنسا مفتاح أوربا فالسعودية وفرنسا ومصر مارسوا منذ أشهر طويلة حملة مكثفة لتضييق الخناق على تركيا في الفضاء الأوربي وشرق المتوسط وفي البحر الأحمر.

بدأ أردوغان يستخدم لهجة تصالحية لتصحيح مسار العلاقات مع الاتحاد الأوربي ومع السعودية والعرب على خلاف خطاباته المتشنجة السابقة، ففي 11 يناير 2021 أعلن عن استئناف المباحثات مع اليونان في 25 يناير المباحثات الاستطلاعية بهدف تسوية النزاع بينهما حول التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط بعدما استبعدته مصر من منتدى غاز شرق المتوسط ردا على تدخله في ليبيا وسيكون هذا الاجتماع الأول منذ تعليق ما يسمى بالمحادثات الاستكشافية بين الجارين بعد 60 جولة غير مثمرة استمرت 14 عاما في 2016.

لم يعد أمام الإخوان الذين يعتبرون أنفسهم الوحيدون الخاسرون بعد قمة العلا، لم يكن أمامهم سوى اللجوء إلى الحديث عن تسارع عمليات التطبيع وخطرها على النظام الإقليمي وبشكل خاص على دول القلب تقصد دول الخليج، ما يعني أنهم يستهدفون القلب السعودية بشكل خاص، ومنطقة الخليج، رغم أنهم لا يحبون التاريخ لكنهم يوظفونه من أجل أن هناك ملفات كثيرة منها موضوع استرداد ومطالبات تعويضات عن خيبر.

وأنهم يعتبرون دول الخليج يهتمون بالتجارة وليس بالسياسة فهم يلعبون على هذا الوتر في دعمه خصوصا وأنهم أيضا ماهرون في هذا الجانب، وبشكل خاص يعتبر أهل الخليج مستهلكون فيستطيعون دعم الاقتصاد الإسرائيلي المتذبذب والحصول على النفط بأسعار أرخص بسبب قربه منهم، ومعالجة كثير من القضايا على رأسها ملف المياه حيث إسرائيل تسرق المياه العربية لكن من خلال التطبيع يمكن التفاوض حول هذا الملف، كأنهم لا يتابعون موقف السعودية التي رفضت أي تطبيع إذا لم تقم دولة فلسطينية وفق المبادرة العربية التي تبناها الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله عندما كان وليا للعهد في بيروت.

فيما السعودية تلاعب إسرائيل وهو ما لم يفهمه الإخوان أو أنهم يفهمون ولكنهم يبحثون عن مصالحهم ويتجاهلون أي ملاعبة سياسية تقوم بها السعودية، فطبعت الإمارات والبحرين والسودان من أجل رفع السودان من قائمة الإرهاب تحقق لها ورفعت من القائمة، والمغرب مقابل الاعتراف بمغربية الصحراء وحدث، لكن تقصد إسرائيل قلب القلب السعودية لكن ردت السعودية التطبيع مقابل دولة فلسطينية، وتدرك السعودية أن إيران تحالفت مع إسرائيل وأمريكا والغرب في تشكيل داعش لتفتيت المنطقة العربية لكن إيران بسبب أنها دولة مسلمة جيشت الشيعة ولعبت على وتر الطائفية فاكتسحت المنطقة وتوسع نفوذها انزعجت إسرائيل وبدأت المواجهة وحاولت إسرائيل أن تشعر العرب أن المواجهة مع إيران عدوتهم يلتقي معهم ويخدم مصالحهم فنتج تطبيع غير مكتمل حتى تحقق ما يرنو إليه العرب وهو تحقيق دولة للفلسطينين.

يزعج الإخوان المصالحة مع قطر التي تعيد تماسك مجلس التعاون الخليجي، وخطوة مهمة لاستعادة التوازن الاستراتيجي بالمنطقة، وتكريس حقيقة أن العمل العربي المشترك هو السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه الأمة العربية باعتبار قمة العلا مصالحة عربية تعزز قدرة على تجاوز المشكلات الذاتية لصالح المكاسب الجماعية القائمة على التقدير المتبادل بل أنها تعزز بناء القدرات الذاتية العربية في مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية لصالح النظام الإقليمي.

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بالصور: اللجنة الشعبية للاجئين بخان يونس تنظم وقفة احتجاجية ضد تقليصات وكالة الغوث

خانيونس / جهاد أحمد – ميديا نيوز    نظمت اللجنة الشعبية للاجئين ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم