الرئيسية / WhatsApp / السعودية درعا في وجه الإخلال بموازين الشرق الأوسط

السعودية درعا في وجه الإخلال بموازين الشرق الأوسط

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
Dr_mahboob1@hotmail.com

 

ولد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان واقعا جديدا في المنطقة، للتحول إلى بحر جنوب الصين، بالطبع هذا الانسحاب سيؤدي إلى زيادة النفوذ الاقتصادي للصين من حيث التجارة و الاستثمارات والقروض، علاوة على ذلك ستساعد على بناء خطوط سكك حديدية أو الطرق السريعة الجديدة في جميع أنحاء أفغانستان وتعزيز الاتصال البري بين الاتحاد الأوربي والصين.

يدفع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى تقسيم جديد للعمل بين الصين وروسيا، فشرق آسيا للصين، وأوروبا الشرقية إلى روسيا، خصوصا بعد قبول عضوية إيران في منظمة شنغهاي التي أصبحت إيران ورقة رابحة بيد الصين وروسيا ضد الغرب، بعدما كانت أمريكا تحاول وقف ارتماء إيران في أحضان الصين وروسيا، وكذلك كانت ترغب إيران، وما توقعته إيران حدث، حيث أن الصراع بين إيران وأذربيجان، ودعم إيران لأرمينيا لضمان تفكيك منطقة القوقاز فشل، وكان منع إيران مرور الطائرات الأذربيجانية المرور بالأجواء الإيرانية للذهاب إلى الجزء المنعزل التابع لأذربيجان في ناخيتشيفان فشل أيضا بعد رعاية روسية سمحت أرمينيا للطائرات الأذربيجانية السماح لها بالمرور عبر أراضيها إلى المنطقة المنعزلة التابعة لأذربيجان في ناخيتشيفان، واصلت أذربيجان منع الحسينيات الإيرانية في أراضيها، بجانب وقف مكتب المرشد الأعلى ما يعني أن الجميع لا يثق في إيران.

ما يعني أن مثل هذه الظروف الجيوسياسية تخدم السعودية في المفاوضات التي تجري بين البلدين بعدما أصبحت إيران محاصرة نتيجة نعنتها، جعل إيران حريصة على الحوار مع السعودية بعدما كانت تتجاهل السعودية دعوات إيران إلى الحوار الإقليمي، على إيران أن تستثمر تلك الفرصة بعدما وافقت السعودية برعاية بغداد لكن سمتها السعودية مفاوضات استكشافية، لأنها تدرك أن إيران دولة غير جادة وغير مصدقة أنها ستخسر كل ما كسبته بعد احتلال العراق من قبل أمريكا عام 2003 وتسليم أمريكا العراق لها، لكن اليوم العرب يرفضون الهيمنة الإيرانية في العراق وفي مقدمتهم العراقيين، بالطبع تمكنت إيران خلال الفترة الماضية من اللعب بالنسيج العراقي، وخلق مليشيات مسلحة تابعة لها في العراق على غرار حزب الله في لبنان، لكن تدرك السعودية أن العراق يختلف كثيرا عن لبنان الذي أصبح حزب الله متحكما بلبنان وبحكومته.

ما يعني أن روسيا حجمت دور الملالي في القوقاز وأذربيجان حيث هناك خط أنابيب غاز يمتد من باكو في أذربيجان عبر تبليسي في جورجيا إلى ميناء جيهان بعدما أفشلت روسيا خط نابوكو اللعبة الاستراتيجية الكبرى التي كانت تلعبها الولايات المتحدة ضد روسيا الذي يمتد من تركمنستان صاحبة رابع أكبر احتياطي غاز في العالم وهي دولة تطل على قزوين إلى أذربيجان ومنها إلى خط نابوكو يصل إلى تركيا ثم النمسا عبر بلغاريا فرومانيا والمجر، وهو خط حاولت الولايات المتحدة لتحويل تجارة الغاز من آسيا الوسطى بعيدا عن المرور عبر روسيا بدعم الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، لكن اعتبرته روسيا مشروعا معاديا لها فأفشلته.

بالطبع هناك خط سكك حديد سيعبر أذربيجان عبر أرمينيا إلى أوربا لإيصال الصين بالاتحاد الأوربي، ما يعني أن إيران أصبحت محاصرة من أذربيجان في الشمال ومن أفغانستان وباكستان من الجنوب، بعدما أقامت السعودية وباكستان مناورات عسكرية بحرية، وطريق الحرير يمر بميناء غوادر الباكستاني، ولن ينافسه ميناء إيران تشابهار.

يتغير العالم بسرعة، لم يعد المحيط الأطلسي هو القلب والمركز، المحيطان الباسيفيكي والهندي صارا نقطة الجذب، لم يعد التنافس الأمريكي الصيني هو العنوان، بل صارت آسيا ككل يمكن أن يقود العالم، مع كل صعود يشتد التنافس والتناحر أو التلاقي والتجمع.

استطاعت السعودية مشاركة اللاعبين الجدد، وكونت حلفاء وأصدقاء وشركاء جدد، بينما إيران تعيش مرحلة من إنكار الواقع، فهي لم تستفد لا من الغرب ولا من الشرق، بينما السعودية أصبح لها ثقل إقليمي، الجميع يبحث عن الشراكة معها، خصوصا وأن السعودية تتقن هذا الدور، وتتقن لعبة المصالح وفق حسابات معقدة في ذروة احتدام المشهد العالمي، وهي ضمن مشاهد الانقلابات التي تحدث على المستوى الإقليمي، خصوصا وأن الشرق الأوسط أصبح في قلب الحدث، بين جنوب شرق آسيا، وجنوب غرب آسيا وروسيا المنشطرة بين الشرق والغرب.

ولكن كيف استطاعت السعودية الموازنة بين باكستان والهند؟ واعتبار كشمير منطقة متنازع عليها لا يمكن حل ازمتها إلا من خلال الحوار وسط تبدلات السياسة السعودية وصياغتها وفق مصالحها الاقتصادية مع إبعاد نفسها عن التناحر الهندي الباكستاني، بل تحاول أن تكون وسيطا بين الجانبين لنزع فتيل المواجهة، وبحثت السعودية عن مصالحها كما راعت باكستان مصالحها عندما لم ترسل قوات إلى اليمن عام 2015 في زمن نواز شريف الأقرب إلى الرياض من الرئيس عمران خان.

انزعجت السعودية من مشاركة باكستان في قمة كوالالمبور، لكن باكستان انسحبت في اللحظات الأخيرة من افتتاح هذا المؤتمر الإسلامي الذي تعتبره السعودية منافس لمنظمة المؤتمر الإسلامي بسبب أن باكستان كانت تطالب السعودية أن تعرض أزمة كشمير على منظمة المؤتمر الإسلامي وللسعودية رأي آخر، كذلك السعودية بحثت عن مصالحها كما تبحث باكستان عن مصالحها باعتبار أن الهند قوة كبرى ومن اكبر الدول المستوردة للنفط ،ولديها شراكات كبيرة معها، وزارها ولي العهد محمد بن سلمان في فبراير 2019 ووقع اتفاق نفطي في أغسطس 2020 بقيمة 15 مليار دولار، وفي ظل تجارة حجمها أكثر من 27 مليار دولار في 2018، وهي رابع شريك تجاري للهند، ووجود نحو 2.7 مليونين هندي في الأراضي السعودية، فاقتطعت جيلجيت بالتستان وكشمير من ضمن الحدود الباكستانية الموضحة في خريطة العالم على ظهر ورقة نقدية أصدرتها السعودية احتفالا برئاستها قمة مجموعة العشرين في نوفمبر 2020، ورفضت السعودية أن تملي عليها أي دولة شروطا تمنع مصالح السعودية، وفقا لموازين النظام العالمي، فترفض أي إملاءات سواء من باكستان أو من إيران أو من الولايات المتحدة كما رفضت استقبال وزير الدفاع الأمريكي، ورفضت زيادة إنتاج النفط واعتبرت أن زيادة الإنتاج يخضع للسوق، فهي شريك للهند والصين والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تصبح الهند أكبر شريك للسعودية اقتصاديا واستراتيجيا.

ومن أجل تعزيز باكستان ممر ميناء غوادر الذي يمر به طريق الحرير ولتهميش ميناء إيران تشابهار لجأت باكستان إلى فتح ممر ريمدان – غوادر الجديد في موقع استراتيجي بمقاطعة سيستان بلوشستان جنوب شرق إيران المتاخمة لمقاطعة بلوشستان الباكستانية، ما يجعل الطريق الواصل بين البلدين أقصر طريق بري يربط ميناء غوادر الباكستاني بإيران للمرة الأولى منذ ال70 عاما، حيث أن هدف ميناء غوادر الباكستاني الاندماج بطريق الحرير شمال غرب الصين مرورا بباكستان وجنوب القوقاز ليصل إلى شرق أوربا عبر تركيا، بينما ميناء تشابهار يقع على مسار الحزام الجنوبي الممتد من شنغهاي إلى جنوب أفريقيا.

كذلك ترى الصين في السعودية كقوة مهمة في العالم الإسلامي الذي تود إيران وأيضا تركيا منافستها ولكنهما فشلا فشلا ذريعا في قمة كوالالمبور في 2019، وهي تعارض القوى التي تشير إلى السعودية بأصابع الاتهام تحت راية حقوق الإنسان والديمقراطية في إشارة إلى الولايات المتحدة في عهد إدارة بايدن، وتعتبره تدخلا في شؤونها الداخلية، وحتى في اليمن سقوط المشروع الأوربي بشأن اليمن ما يمثل انتصار تاريخي بعد مرور 4 سنوات بعدما تم اكتشاف ان فريق خبراء الأمم المتحدة باليمن ساهم في تقديم معلومات مغلوطة.

تدعم الصين سيادة السعودية وأمنها وتولي اهتماما بالشراكة الاستراتيجية الشاملة مع السعودية، وتحتاج الصين إلى السعودية في التنسيق والتواصل بشأن أفغانستان والقضية النووية الإيرانية وقضايا أخرى، وتعتبر السعودية أكبر مورد للنفط الخام للصين، ولا تسعى السعودية باستبدال حليف مكان حليف آخر، بل تسعى نحو تنويع شراكاتها، حيث تعتبر الصين أكبر شريك تجاري للسعودية لصالح السعودية.

الهضبة الإيرانية دفعت ثمن حروبها الجيوعقائدية التي ارتبطت بصراعات لاستعادة الإمبراطورية الفارسية التاريخية منذ ان إنشاء الدولة الصفوية عام 1501 على يد الشاه إسماعيل الصفوي، وكانت الدولة الصفوية في صراع مع الدولة العثمانية.

ومبكرا هزمت في معركة جالديران 1514 على يد القوات العثمانية العربية لوقف طموح إيران التوسع شرقا، وهزمت أيضا في بلاد الرافدين في عامي 1534و 1639، وكذلك خاضت أربع حروب مع روسيا القيصرية في بداية القرن التاسع عشر انتهت باتفاقية غولستان 1813، وبمعاهدة تركمان شاي في 1828 وتم سلخ أجزاء من جنوب القوقاز وشماله لصالح روسيا القيصرية، ودخلت إيران في صراع مع السعودية لمنافستها على زعامة العالم الإسلامي لكنها ستمنى بهزائم متتالية وكما نلاحظ العقوبات القاسية المفروضة عليها وانهيار الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات القاسية وانهيار العملة الإيرانية التاريخي أصبحت 280 ألف ريال لكل دولار في 24/8/2021، بينما كان في بداية عام 2020 نحو 160 ألف ريال لكل دولار، بينما كانت العملة الإيرانية مع بداية الثورة الإيرانية عام 1979 تساوي 100 ريال لكل دولار، ثم قفز سعر الدولار في عام 2000 من 4780 إلى 8630 ريال لكل دولار، وصل سعر الدولار في 2011 نحو 14840 ريال، وتراجع الريال الإيراني بعد الاتفاق النووي من 33 ألف ريال لكل دولار إلى 31 ألفا، مما أدى إلى ارتفاع حاد للسلع، وأصبح الفقر يفترس الإيرانيين، ومنذ 2015 تواجه إيران صعوبة في توفير العملات الصعبة بسبب العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس ترمب ومنعتها من الوصول إلى الأموال المحجوبة في البنوك الأجنبية، ما جعل الناتج المحلي الإجمالي ينخفض بنسبة 57 في المائة في ثلاث سنوات، فانخفض الناتج الإجمالي لإيران من 445 مليار دولار عام 2017 بالسعر الحالي بنسبة 57 في المائة إلى 191 مليار دولار في 2021 قلل مرتبة إيران من المرتبة ال26 في الاقتصاد العالمي عام 2017 إلى المرتبة 51 في 2021، بسبب أن عام 2017 كان ذروة الاحتجاجات في إيران والتي تحولت إلى احتجاجات على مستوى البلاد في يناير 2017 ونوفمبر 2019 وفي هذه الانتفاضات قمع النظام المنتفضين بمجازر مروعة، ووفقا لإشارة مدير لجنة الإغاثة أنه بين عامي 2001 و 2019 في المتوسط كان حوالي 33 في المائة من سكان إيران تحت خط الفقر متعدد الأبعاد، وفي باكستان 263 مليار دولار في 2020، وفي بنغلاديش ارتفع إلى 324 مليار دولار لنفس السنة قافزا من 53 مليار دولار عام 2000 فتحولت بنغلاديش من الدول الأكثر فقرا للصدارة عالميا في تحقيق الثروات.

هناك سؤال مهم جدا هل تضحي إيران بشعاراتها الأيديولوجية مع السعودية على غرار ما صرح به وزير خارجية إيران أمير عبد اللهيان أمام الوفود الأجنبية أن الرئيس الإسلامي يقصد به رئيسي شخص براغماتي لديه استعداد للتضحية بالشعارات الأيديولوجية؟ خصوصا بعدما قدمت أذربيجان درسا لإيران بعدما أغلقت الطريق التجاري مع إيران، وألقت القبض على سائقي شاحنات إيرانيين لأن أذربيجان لا تقبل التعامل خارج الدولة وهو سلوك إيراني مع الدول العربية، اضطر وزير الخارجية أمير عبد اللهيان إلى استقبال سفير باكو بكل تقدير متناسيا تحذيرات الرئيس إلهام عليف لإيران.

هذا ما تفهمه إيران، لكن من يدعم سلوك إيران مع الدول العربية هي أمريكا لوجود ملفات متشابكة، وهو ما جعل السعودية تضغط على الولايات المتحدة في عدم دعم سلوك إيران.

 

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

السيسي: مصر تتطلع للتوصل بأقرب وقت وبلا مزيد من الإبطاء لاتفاقية متوازنة وملزمة بشأن سد النهضة

القاهرة – ميديا نيوز – أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم