الرئيسية / WhatsApp / الفيلم الروسي “العودة”…في مؤسسة عبدالحميد شومان

الفيلم الروسي “العودة”…في مؤسسة عبدالحميد شومان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (سينما)

أعاد السينما الروسية ذات التقاليد الفنية العريقة إلى واجهة المهرجانات السينمائية الدولية.

ميديا نيوز: عمان.

تنتج في العالم آلاف الأفلام السينمائية سنويا . بعض هذه الأفلام يلاقي نجاحا جماهيريا ، وبعضها الآخر يحصد جوائز المهرجانات السينمائية العالمية .  ويحصل كل بضع سنوات أن يبرز فيلم ما لا تقتصر أهميته على حصوله على الجائزة الكبرى من مهرجان سينمائي عالمي عريق ، بل يستمد أهميته خاصة من كونه يبتكر شكلا جديدا أو أسلوبا جديدا للسرد والبناء الدرامي ، وبالتالي يطرح على النقاد أسئلة ويثير الكثير من النقاش حوله . هذا هو الحال مع الفيلم الروسي ” العودة ” ،الذي تعرضه لجنة السينما في مؤسسة شومان،والذي نال في العام 2003 الجائزة الكبرى من مهرجان البندقية السينمائي الدولي واعتبره القسم الأكبر من النقاد فيلما عبقريا ، في حين أن العدد الأقل  من النقاد الذين لم يحبوا الفيلم ، ووجدوا فيه هنٌات منهجية ، لم يستطيعوا تجاهله ، لأنه ، بغض النظر عن عدم تعاطفهم معه ، أثار الكثير من القضايا النقدية التي تحتاج إلى التمحيص .

فيلم “العودة ” للمخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف . وهذا هو فيلمه الروائي الطويل الأول . وهو الفيلم الذي أعاد السينما الروسية ذات التقاليد الفنية العريقة إلى واجهة المهرجانات السينمائية الدولية ، التي تنافست على دعوته للمشاركة في مسابقتها ، و تنبأ له النقاد مسبقا بحصد الجوائز الرئيسية فنال الجائزة الكبرى من مهرجان البندقية وجرى ترشيحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي. والفيلم عن سيناريو لاثنين من الكتاب هما فلاديمير موسينكو و الكسندر نوفوتوتسكي .

 يحكى الفيلم عن أخوين ، أحدهما في الثالثة عشر والثاني في الخامسة عشر ، يعود والدهما الى البيت فجأة بعد غياب استمر اثني عشر عاما ليلتقي بزوجته و بوالديه اللذين كانا قد نسياه تماما .

في بداية الفيلم نتعرف على الابن الأصغر وهو يلهو مع أخيه وأقرانه على الشاطئ حيث يقوم الأولاد تباعا  بالقفز في الماء من فوق منصة قفز شديدة الارتفاع . ويقفز جميع الأولاد ما عدا الابن الأصغر الذي يكشف عن جبنه وعن خوفه من الأماكن العالية . ومنذ هذه اللحظة يعتبره الأولاد جبانا و ويلقبونه بالعنزة ويطردونه من مجموعتهم ثم يتركونه وحيدا يبكى من الخوف فوق قمة المنصة ، عاجزا عن الهبوط ، منتظرا من يأتي لكي يساعده . ويشاركهم في ذلك حتى أخوه الأكبر .

في اليوم التالي وبعدما يعود الولدان الى المنزل إثر مشاجرة مع أولاد الحي تلاقيهما الأم فرحة أمام باب المنزل وتخبرهم ان الأب الغائب منذ اثني عشر عاما قد عاد وهو الآن يغط في النوم . يقابل الأخوان خبر وصول الأب الفجائي بشك وفضول في آن . من هذا الرجل ، وهل هو حقا والدهما ، وهل هما بحاجة إليه – هذه هي الأسئلة التي تنشأ فورا عند الولدين وهما يتأملان الوالد المستغرق في النوم ، و الذين ستفاجئهما فظاظته معهما وجفاف عاطفته نحوهما منذ لقائهما الأول .

الأب حاد الطباع ، قليل الكلام ، وعلى الرغم من أنه لم يتعرف على ولديه كما يجب ،  فإنه يتضح منذ البداية أنه غير مهتم بالتعرف عليهم عن قرب و لا يبدي تجاههما أية عاطفة أبوية ، فهو بكل بساطة يطالبهما بالخضوع التام لتعليماته المستمدة من مفاهيمه الرجولية القاسية ويظهر هذا بشكل جلي من لحظة لقائهما الأول معه بعد أن يستيقظ من النوم الذي غط فيه و بعد أن ضمتهما معه مائدة الطعام ، حيث لم يسمعا منه كلمة حنان واحدة ولم يصدر عنه أي تصرف يشير الى اشتياقه لهما ، بل فرض عليهما احتساء الخمر قبل الشروع في الطعام وكأنه يتعامل مع اثنين من زملائه الرجال .

يبدأ الحدث الرئيسي للفيلم من صباح اليوم التالي عندما يقرر الأب أن يصطحبهما معه في رحلة صيد سمك تستمر عدة أيام ، حيث يبدو للوهلة الأولى أن الأب يريد أن يختلي بهما مدة كافية من الزمن وأن يعوضهم عن خسارتهما له في سنوات الغياب الطويلة . وهكذا يصعدان مع الأب صباح اليوم التالي في سيارته مصطحبين معهم معدات الرحلة ويمضي الثلاثة في طريقهم .

يبدأ الثلاثة رحلتهما نحو المجهول مع أب لا يعرفون عنه شيئا ولا يدريان ما ينوي فعله حيث يتطور خلال الرحلة صراع بينهم من عدة نواح إذ يحاول الأب خلال الرحلة أن يتصرف مثل صاحب سلطة مطلقة لا تعرف الرحمة لا تتراجع عن قرارها وهو يسعى بكل إصرار لتعريض ولديه لكل صنف التجارب الصعبة التي يمر بها الكبار لكي يجعلهما يتعلمان  تحمل المسؤولية : يتوقف الثلاثة في بلدة صغيرة تبدو شوارعها خالية من المارة وذلك من أجل البحث عن مكان لتناول الطعام . ثم يدخل الأب إلى متجر لإجراء مكالمة هاتفية تاركا الولدين ينتظرونه في الشارع وبحوزتهما النقود . وهو يراقبهما بلا مبالاة من خلال زجاج النافذة وهما يتعرضان لاعتداء من قبل ثلاثة شبان قاموا بسلبهما ما معهما من نقود  ، فيما يتابع حديثه عبر الهاتف . وعندما يخرج إلى الشارع يوبخهما بقسوة على جبنهما ، ثم يطارد الشبان الثلاثة لوحده ويعود ومعه الشاب الذي اعتدى بالضرب على ابنه ثم يطلب من ابنه ان يرد له الضربة إلا أن الابن يعجز عن ذلك . ثم يبلغهما أن ثمة تغييرا طرأ على مسار الرحلة وأن عليه يقضي أمرا ما . ويقرر إثره أن يقودهما نحو جزيرة معزولة لأن عليه فعل شيء ما هناك لا يكشف عنه لولديه . وفي الجزيرة التي يصلون إليها بعد رحلة طويلة شاقة بواسطة قارب صغير سيكون هناك كوخ مهجور سيحفر الأب الأرض في داخله وسيستخرج من الحفرة صندوقا صغيرا .

وهو يظل طوال الطريق يلقي عليهما دروسا حول أبسط الأشياء في الحياة ويجبرهما على القيام بأعمال شاقة بالنسبة لهما . : يجبرهم على جر الشاحنة التي انغرس عجلاها في الوحل ، على تركيب خيمة ، على جر القارب . وهو يفعل كل ذلك بأسلوب فظ لا يفهمه الولدان اللذان لا يستوعبان لماذا يعاملهما بهذه الفظاظة . وهكذا تتعمق في نفس الولد الأصغر مشاعر الكراهية تجاه والده والذي لم يتأكد أنه والده بالفعل إلا عندما عثر على صورة قديمة له تضم أفراد الأسرة جميعا كانت مخبأة في صندوق موضوع في مخزن المنزل ، هذا في حين أن الولد الأكبر على النقيض منه يبدو مستعدا لتقبل كل شيء من والده .

في نهاية الفيلم وفي لحظة الذروة وبعد صراع مرير مع الأب يتسلق الابن في لحظة شجاعة يعلن فيها تحديه للأب وتمرده على سلطته أعلى قمة المنارة المهجورة في تلك الجزيرة النائية المعزولة . وهذا التصرف الذي يبدو فيه انه تغلب على خوفه يناقض كليا تصرفه الأول عندما وقف مرتعدا من الخوف فوق منصة القفز للسباحة في بداية الفيلم بل وجبن عن الهبوط من فوقها وظل يبكي هناك حتى المساء الى أن جاءت والدته و أنزلته واصطحبته معها . هذا الموقف الجديد المتمثل في إصراره على الصعود الى قمة المنارة المهجورة على الرغم من خطورة الأمر سيؤدي الى تغيير جذري في موقف الأب الذي يكشف للمرة الأولى عن عاطفته تجاه ابنه إذ يخشى عليه من السقوط من علو ، فيتسلق المنارة في محاولة منه لإنزاله ،  في حين أن الابن يمعن في التحدي ، غير أن الأب سيهوي إلى الأرض ويلقى حتفه . و ينتهي الفيلم عندما يمدد الولدان جثمان الأب وسط القارب ومعه الصندوق الذي خاض كل تلك المغامرة من أجل نبشه من الأرض ويرسلانه ليلاقي نهايته في البحر ومعه سره وسر الصندوق .

اعتبر الذين أشادوا بالفيلم ووصفوه بـ العبقري أن هذا كله غير مهم ، فالفيلم ليس بوليسيا بحيث  نحتاج إلى تقصي الوقائع . انه دراما ترتبط بشخصيات تعيش منافسة حامية فيما بينها ، وأن كل شيء في فيلم ”  العودة ” حقيقي : وابل المطر ، الوحل ، الطبيعة الجرداء ، المعاناة ، الشخصيات ، الزمن الذي يجري هنا لا كما في السينما بل كما في الحياة . كل شيء على طبيعته – الأفق ، البحر , الغابة ، الحقل ، العلاقات بين الناس . قليلة هي مؤشرات الحضارة فمعظم أحداث الفيلم مصورة وسط الطبيعة بعيدا عن الناس ، وأبطال الفيلم يتعاملون على انفراد مع الطبيعة ومع بعضهم البعض .

والفيلم يخلو تماما من الميلودراما لكنه بالمقابل مليء بالغموض . فهل يمكن للولدين أن يثقا بهذا الرجل الذي يفترض انه والدهما ولكنهما لا يشعران بأبوته ؟ أين كان غائبا طوال كل تلك السنوات ولماذا عاد فجأة ؟ ما الذي كان يبحث عنه  في هذه العلبة التي أخرجها من باطن الأرض ؟ هذه وغيرها أسئلة لا يجيب عليها الفيلم .

هذه الأسئلة التي لا يجيب عنها الفيلم هي التي رأى فيها من لم يتحمسوا له ، مع أنهم لم ينكروا أهميته ، نقيصة في البناء الدرامي . والواقع أن حكاية غياب الأب وعودته ثم قيامه بالرحلة مع ولديه وعثوره على الصندوق الذي لا يكشف الفيلم محتواه ، تظل تثير فضول المتفرجين حتى النهاية ولكن دون أن تشبع فضولهم . وهذه الحكاية تبدو  وكأنها تسير في خط مواز للحكاية الأخرى التي ينبثق منها مضمون الفيلم ، والمرتبطة بوقائع ما جرى بين الأب وولديه والتي كان يمكن أن تشكل موضوعا لفيلم مستقل . وهكذا تبدو حكاية الأب في تشكلها الغامض المغيب عن قصد للمعلومات والتفاصيل المرتبطة بالماضي وبالحاضر معا بما ينفي عنها صفة الحكاية ، مجرد لعبة درامية يقصد منها التشويق ليس غير .

يصف المخرج فيلمه بأنه نوع من النظرة الميثولوجية نحو الحياة الإنسانية . والفيلم يحكي عن نضوج الإنسان وعن تعلمه دروسا من غير الضروري تعلمها و لا يرضي بتعلمها بالإكراه . وكل إنسان سبق له أن كان عنيدا وشرسا في طفولته سيتعرف على نفسه من خلال سلوك الابن الأصغر بطل الفيلم و مقاومته الشرسة لتسلط الأب القاسي .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كورونا مؤامرة أمريكية.. والعالم سيصبح طوع واشنطن ..!!

صالح الراشد ستتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في العالم أجمع دون ان تُطلق رصاصة واحدة، بل ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم