الرئيسية / WhatsApp / انتفاضة أهالي حي الشيخ الجراح أحيت القضية الفلسطينية المنسية

انتفاضة أهالي حي الشيخ الجراح أحيت القضية الفلسطينية المنسية

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
Dr_mahoob1@hotmail.com

القضية الفلسطينية بين أنصار الواقعية السياسية، وبين تحالف العسكريتارية الصهيونية المحافظة مع التوراتية الأصولية الفاشية التي تحولت من الاشتراكية العمالية الصهيوينة مع انهيار البدائل اليسارية والليبرالية المقتنعة بجدوى السلام والتعايش، مقابل بديل فلسطيني أيضا تجسده حماس ومعها الجهاد الإسلامي المستقوية بالتحالف الفكري التنظيمي بين الدين والسلاح التي ترفض مبادرات الواقعية السياسية التي تقودها السعودية ومصر وتقترب من مشاريع إيران والإخوان.

هذه المقاربة الثلاثية همشت اللاعبين الإقليميين وحتى العالميين الكبار الذين لديهم حسابات أكبر من حسابات الجهات اليمنية المتطرفة من الجانبين، وقد يكون الجانبان المتطرفان كل منهما أحيا الآخر، وحتى نكون منصفين فإن تعليق جين ساكي باسم البيت البيض في 15/5/2021 من أن حماس منظمة إرهابية لكنها تعتبر الليكود الإسرائيلي يدافع عن نفسه، والأغرب والأخطر أن الولايات المتحدة نفسها في عهد الرئيس ترمب اعتبر أن القدس موحدة وأبدية لإسرائيل، وهو ما شجع نتنياهو المتمسك بالحكم هربا من السجن على فتح معركة تهجير حي الشيخ جراح الشرارة الحقيقة للأزمة الحالية، وفي نفس الوقت يعزز من مواقف حماس والجهاد الإسلامي، ويصبح السلام مؤجلا.
الغريب أن الولايات المتحدة اعتبرت حماس التي تطلق الصورايخ منظمة إرهابية، لكن إدارة بايدن رفعت الحوثيين من قائمة الإرهاب، وهي حتى الآن تطلق صواريخها على المدن والمقدسات السعودية، ولم تعتبرها الولايات المتحدة منظمة إرهابية على غرار حماس.

اتبع نتنياهو المأزوم حكوميا خطوة تسريع تهجير سكان حي الشيخ جراح على غرار زيارة آريل شارون الاستفزازية للحرم القدسي التي اندلعت على إثرها انتفاضة الأقصى في عام 2000 تسببت في ردة الفعل المقدسيين بانتفاضة شعبية سلمية.

علينا أن نحلل هذه الانتفاضة الشعبية المقدسية لو لم ترسل حماس صواريخها بسبب أنها هي الأخرى مأزومة أيضا انتخابيا، فبعدما كان يغيب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عن البرامج الإخبارية والمنافذ العالمية، وبشكل خاص في الولايات المتحدة، لكن هذه المرة خلقت حالة من الانتقادات القوية والموجهة البعض يعتبر أن حماس لم تترك استثمار هذه الموجة من الانتقادات العالمية والموجهة ضد إسرائيل لدى حفنة معتبرة من أبرز السياسيين المعروفين في الحزب الديمقراطي الأمريكي، بل إن أنصار الحزب الديمقراطي الحالية يودون من الإدارة الأميركية أن تنتهج مقاربة أكثر حيادا إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأن تمد يد المساعدة للجانب الفلسطيني أكثر من مد يد المساعدة للجانب الإسرائيلي، وقد خلصت مؤسسة غالوب الأميركية في فبراير 2021 إلى أن ثلثي الديمقراطيين يملكون وجهات نظر إيجابية تجاه إسرائيل، غير أن ثلثي الديمقراطيين ممن شملهم الاستطلاع يؤيدون فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، في حين أغلبية الديمقراطيين ممن شاركوا في نفس الاستطلاع يريدون من الحكومة الأميركية ممارسة المزيد من الضغوط على إسرائيل بأكثر من الضغوط التي تعتزم ممارستها على الفلسطينيين.

يراجع العالم أرشيف المعلومات والمساءلات، واليوم يقف ليس فقط برلمانيون في أمريكا بل أيضا في دول حرة لينطقوا بما كان محرما وبدأوا يصرحون أن إسرائيل تقوم بأعمال تمييز عنصري، وخرق سافر لقرارات الأمم المتحدة، ولم تعد إسرائيل الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة كما تتبجح إسرائيل، وأن للطغيان حدا، وللباطل جولة أو جولات، والمواجهة بالصواريخ ليست قدرا وجوديا لا مهرب منه، يمكن لأجيال عربية آتية أن تقود مرحلة سلمية، خصوصا بعدما خرج الفلسطينيون في يافا وحيفا والناصرة واللد ليتضامنوا مع أهلهم في القدس، يمكن تقييمها، وبدلا من أخذ القرار من أعداء الدول العربية، يمكن التنسيق مع أهم دول عربية كمصر والسعودية.

رغم أن صواريخ غزة عرت دولة إسرائيل، وفضحت القبة الحديدة، واستطاع الفلسطينيون إدارة المعركة بكل اقتدار، أثبتت أن الدولة الإسرائيلية المستقبلية لن تقوى على المقاومة الفلسطينية، وأنها لابد أن تبحث عن السلام، والبحث عن مبادرة السلام العربية التي قدمها الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله في بيروت عام 2002، وفي نفس الوقت أصبح أمن إسرائيل بيد دولة مصر، وإذا ما ساهمت إسرائيل في دعم سد النهضة فستترك مصر حماس تطلق الصواريخ عليها، بل تتغاضى عن حصول حماس على صواريخ أكثر فتكا بإسرائيل، خصوصا وأن قطاع غزة جزء من الأمن القومي المصري.

لن تستطيع تلك الدول التي حاولت محاصرة مصر من سيناء شرقا، ومن ليبيا غربا، ومن الجنوب سد النهضة لإفقارها وإرباكها، بينما مصر هي الأخرى تمتلك أوراقا أكثر أهمية من أوراقهم في محاصرتها.

نحن نرى اليوم حرص تركيا على استعادة العلاقات مع مصر، والتراجع عن دعم الإخوان، واستطاعت مصر القضاء على ا{هاب في سيناء، بل هددت مصر إسرائيل من أنها إذا لم توقف التصعيد مع غزة، فلديها ملفات عديدة، بل هددت إسرائيل إن تعرضت لسيارات الإسعاف المصرية التي تنقل المصابين من غزة إلى مصر باعتبار أنها تتبع الجيش، واستطاعت مصر إيقاف التوغل الإسرائيلي البري لغزة، ما جعل إسرائيل تعتبر أن هناك خطأ في الترجمة، وليست لديها نية في توغل بري لغزة.

هناك كثيرون يتساءلون لماذا اتجهت حماس إلى إطلاق الصواريخ من غزة؟ هل هو دفاع عن حي الشيخ جراح في القدس؟، ولماذا لم تنتظر حماس إلى أن يتحرك العالم ضد إسرائيل؟، خصوصا وأن أهالي حي الجراح قدموا نموذجا مشرفا في المقاومة السلمية للعالم، وأن إطلاق الصواريخ من غزة لم تستهدف فقط اليهود بل تستهدف يهودا وفلسطينيين بسبب أن الخريطة السكانية معقدة، وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا، ويقاتل حمية، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما، فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عز وجل، صحيح البخاري.

حسابات نتنياهو كانت شخصية انتهازية، فلماذا تحقق له حماس انتهازيته؟ وفي نفس الوقت يود أن يكون لإسرائيل سقف التفاهمات الأميركية الإيرانية، كما تعي إيران صفقة التفاهمات جيدا، وأن هناك صفقة تعايش وتقاسم جديدة مطلوبة من إيران مع إسرائيل، لهذا نجد أن حزب الله يتحاشى التورط في هذه الأزمة، ويعتبر أن الجهاد ضد السعودية أولى من الجهاد مع إسرائيل.

بالطبع تلقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس اتصالا هو الأول من نوعه من الرئيس الأمريكي جو بايدن بحث معه عن تهدئة مستدامة، وهاتف أيضا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأثار معه المخاوف في شان سقوط ضحايا مدنيين في غزة، واستهداف برج الجلاء، أي وكأنه يحاسبه على الغطرسة الإسرائيلية، خصوصا وأن برج الجلاء مكان لمحاطات بث عربية ودولية وكأن إسرائيل أرادت فقط إسكات الحقيقة.

هناك أيضا تنسيق بين أكبر بلدين عربيين هما السعودية ومصر وبحث وزير خارجية البلدين التطورات وجددا مطالبة المجتمع الدولي بالتصدي للممارسات الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وكثفت مصر مدعومة من الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة جهودها من أجل التوصل لوقف إطلاق نار في قطاع غزة، لكنها تصطدم برغبة تل أبيب في مواصلة الهجوم، وتحقيق صورة نصر مزيف، بعدما كشفت صواريخ غزة ضعف القبة الحديدية.

المواجهة بين حماس وإسرائيل تختلف عن المواجهات الثلاث السابقة خلال السنوات ال12 الماضية، وسط تصاعد التوتر على خلفية قضية حي الشيخ جراح في القدس تطورين داخليين، إذ إن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين كلف يائير لبيد زعيم المعارضة تشكيل حكومة لإزاحة بنيامين نتنياهو، كما أن الرئيس محمود عباس قرر تأجيل الانتخابات التي كانت حماس تريدها.

على هذه الخلفية قرر كل طرف توظيف هذه الأزمة لتحسين وضعه الداخلي، وبالفعل سارع زعيم حزب يمنيا نفتالي إلى قبول خيار تشكيل الحكومة مع نتنياهو بعد التصعيد الأخير وبذلك ضمن نتنياهو 59 صوتا في الكنيست، وبات يحتاج إلى صوتين فقط للحصول على الأغلبية.

كما تود حماس بعدما وضعت القدس في رأس خطابها السياسي من اجل أن تحقق مكاسب على حساب السلطة الفلسطينية التي يرأسها محمود عباس، وهي الأزمة الوحيدة التي وضعت في خطابها موضوع القدس، لكن في أعوام 2009،2012،2014 حدثت لأسباب تخص غزة، فيما هذه الجولة الأولى تخص القدس.

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بعد تدميرها الأراضي الزراعية.. الفئران تغلق سجناً في أستراليا – فيديو

ميديا نيوز – أدى غزو الفئران الذي دمر الأراضي الزراعية الأسترالية إلى ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم