الرئيسية / WhatsApp / انطفاء المصباح في المغرب

انطفاء المصباح في المغرب

بكر أبوبكر

لم يكن أفول نجم الحركات الاسلاموية المرتبطة “بالإخوان المسلمين” ببعيد عما يحصل في المجال الحزبي الديمقراطي في الدول العربية، فمن سقوط التنظيم تحت معاول الملايين من المصريين الذين اصطفوا يعلنون رفض الانقلاب “الاخواني” على الدولة -رغم عدم إشعالهم لثورة 25 يناير 2011 بل تمكنوا من افتكاكها من مشعليها بقوة التنظيم- الى ما سمي “الثورة البيضاء” مؤخرًا في تونس، ثم الى ما يحصل اليوم من انطفاء المصباح في المغرب.

لقد تراجعت أسهم القيادات “الاخوانية” وفهمها الإقصائي منذ زمن ثورة 30 يونيو 2013 في مصر ثم مع ثورة السودانيين على البشيرفي السودان، كما انتكبت هذه التيارات في ليبيا والعراق وسوريا.

في المجال المتطرف العام حيث تنظيم القاعدة وتنظيم “الدولة الاسلامية” ورغم اختلاف المباني النظرية في سياق التطرف، الا أن البوابات تظل مفتوحة بين المتطرف والمعتدل على مظنّة أن المنبع الجامع واحد! الا أنه في جميع الأحوال ومع تهاوي التنظيمين المتطرفين الكبيرين شعرت التنظيمات الاسلاموية المعتدلة بضعف قوتها، فهي تستطيع الحركة في المجال الاسلاموي بين الطرفين الأقصيين وتظهر هي فيه المعتدل المعوّل عليه، وعليه يصبح القضاء على هذه التنظيمات المتطرفة أو حشرها في زوايا معينة وكأنه إسقاط لأحد مفاتيح القوة للتنظيمات المعتدلة.

مما لا نشك فيه أن الدعم الغربي (الأمريكي أساسًا) لما يسمونه “الاسلام المعتدل” مع تحفظي الشديد على تصنيف الاسلام بمعتدل ومتطرف وغيره، وهو واحد مع اختلاف مفاهيمه، أي أن الاختلاف هو بالفهم وليس بذات الدين الواحد، أقول ومع اختلافي مع فكرة التقزيم الغربي-الاستعماري المتعمدة للاسلام لحشره في أحزاب او شخوص بعينها-ما لا يفعلونه مع المسيحية أو الهندوسية أو اليهودية كمثال- فإن هذا الدعم للتنظيمات الاسلاموية ذات الارتباط الواضح ب”الاخوان المسلمين” ما جاء قناعة بما ترفعه من أفكاربالطبع، بقدر ما كان لتحقيق جدول أعمال (أجندة) الغرب في عملية التشتيت والإلهاء والاختلاف الحدّي، وإبقاء المنطقة في حالة احتراب أبدي وتمجيد الإسرائيلي “الديمقراطي” في ذات المحيط، وبالتالي بقاء الهيمنة والسطوة الغربية في منطقتنا الثرية الى الأبد.

التنظيمات المعتدلة المرتبطة ب”الاخوان المسلمين” التي تساوقت مع الغرب هي ذاتها منيت بهزائم في مكامن الأحداث الداهمة في الشرق العربي، وفي المغرب الكبير وما حصل مؤخرا في المغرب الأقصى دلالة على انحسار الهيمنة النفسية والذهنية “للاخوان المسلمين” على قلوب الناس من أتباعهم على فرضيتهم ما بين السطور أو علنًا أنهم الممثلين لله حصريًا، أو الممثلين للشريعة أو الممثلين الوحيدين للإسلام الحق، ما أثبتت الوقائع خاصة في مصر ثم تونس ومؤخرًا المغرب أن المنتمين ل”لاخوان المسلمين” هم بشر مثلنا! وليسوا (الأيادي المتوضئة) بمعنى تلك التي لا تمسها النار بالدنيا! ولا هم (قوامو الليل) بمنطق الايحاء بصلاحهم دنيا ودين! لذا انتخبوهم؟! وعليه فهل أسقطوا بأنفسهم وأفعالهم شعارهم المضلل “الاسلام هو الحل” أم لم يكونوا على مقدار وضع الكلمات الثلاثة موضع التنفيذ؟ وليس الشعار بمعنى قضاء حوائج الناس وهو منطلق الهدي النبوي الصحيح بتفاصيله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

إن الانبعاث للتنظيمات الاسلاموية وخاصة في ظل ما أسمي الربيع العربي عام 2011 كان مثيرًا للحيرة في ظل تنامي المتطرفين الذين تم استخدامهم (وهناك دلائل على تربيتهم أورعايتهم) ببشاعة ليكونوا فزّاعة المنطقة، وعليه كان الدعم للمعتدلين في مقابلهم بمجابهة مقصودة؟ فمن دعم الأوائل دعم الأواخر! وتزول الحيرة عندما يظهر للقاصي والداني ان الهدف الاستعماري الغربي المرجو قد تحقق بتفتيت كل مكامن القوة في الأمة العربية والاسلامية وفتح الباب لكل المنطقة لتتحول الى بحيرة إسرائيلية يسبح الجميع في مائها متغنين حامدين شاكرين!

في تونس لربما يكون للشيخ راشد الغنوشي قدرة على التجاوز والمناورة مشهودة لم يستطع “الاخوان المسلمين” المصريين “حراس المعبد”، وهم منشئيه، أن يفهموها فانجرّوا تحت مظلة وهج السلطة ودفء الكرسي الوثير لإحداث التغيير الشامل، فلم يلقوا القبول الشعبي بتاتًا، فالدولة المصرية عميقة وعريقة (7000 عام)، ولا يتم إلغائها بسهولة وهج الفكرة الصاعدة. ومع “براغماتية” الغنوشي الواضحة وعقلانيته الا أنه يعاني الأمرين في صراعه السياسي مع الأحزاب الاخرى في تونس، وفي داخل حزبة (النهضة) الاخواني أيضا، ولعلنا نرى مشهدًا مختلفًا في داخله قريبا.

كان حزب العدالة والتنمية المغربي (وشعاره المصباح) يحوز على استقراره الداخلي بعد أن استطاع بوعي كامل أن يفصل الدعوي الديني عن السياسي، أو الدعوي عن الحزبي في تشكيلين أو تنظيمين مختلفين-ما لم يقبله اخوان القاعدة الصلبة أو حراس المعبد في مصر- وهم بذلك لم يعودوا يستخدمون الخطاب الديني (الدعوي) بما يضمّه من حمولة فكرية نفسية دينية ضخمة تشتمل على أدوات التصنيف كما تشتمل على الاتهام بالدين والعقيدة ما هو دأب الاخوان “الصلبين” أو “المتصلبين” كما حال “اخوان” مصر و”اخوان” فلسطين بغالبهم، حتى الآن. وعليه فإن اخوان المغرب الذين لحقهم الشيخ الغنوشي بالمؤتمر العاشرعام 2016 (حيث سارمن الأخونة الى التونَسَة) قد فصلوا مجالات “الأيادي المتوضئة” عن مجال دنس السياسية اوأحوالها المتغيرة، وقد أصابوا، فتصبح هزيمتهم الديمقراطية في وعيهم هزيمة للبرنامج وليست هزيمة للإسلام  بمفهوم القاعدة الصلبة أو “حراس المعبد” ب”الاخوان المسلمين”.

في المغرب عوامل عديدة أحاطت بكسوف الشمس “الاخوانية” رغم كثير تنور في فكرهم وممارستهم الديمقراطية، ما شكل نقلة حقيقية برأيي في فكر الاخوان هناك أو في المغرب الكبير عامة مقارنة بالمشرق العربي، ورغم النقلة أو الانعطافة فإن الدخول في معترك السياسة لا يحمل معه الخير دومًا بل يعني التداول للسلطة وليس انتخابات لمرة واحدة، ما فهموها في المغرب بجلاء، وما باعتقادي سيتقبلوه وإن قاومته تيارات قد تكون مازالت تعيش أوهام الاستبداد والديكتاتورية الفكرية.(اعتبرت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن نتائج الاستحقاقات الانتخابية لـ08 شتنبر 2021، “نتائج غير مفهومة وغير منطقية ولا تعكس حقيقة الخريطة السياسية”.) وعليه تمت الدعوة لمؤتمر استثنائي عام.

يُشار للامكانيات المالية الضخمة لحزب الأحرار المغربي بزعامة عزيز أخنوش(صاحب الحمامة شعار الحزب الذي حصد 97 من أصوات البرلمان وهو الاول بالسباق حاليًا، يتلوه حزب الأصالة والمعاصرة وشعاره الجرار الزراعي ب82 مقعدًا، فحزب الاستقلال صاحب شعار الميزان ب78 مقعدًا)، ويشار لقدرات الحمامة الإعلامية الدعائية المتميزة، كما تشير التحاليل المغربية لوقوع حكومة العثماني الاخوانية  السابقة بسلسلة من الأخطاء، ومنها منذ التشكيل بقبول اشتراطات أطراف الائتلاف الأخرى ما أزعج ثلّة داخل الحزب من جهة، وما جعل المصداقية تختل، ويضاف لعوامل الانهزام  السياسي الساحق “لاخوان” المغرب (من 125 مقعدا سابقًا الى 13 مقعدًا فقط حاليًا) التذبذبات الداخلية داخل حزب العدالة والتنمية، ورغبة عبدالإله بنكيران (رئيس الوزراء السابق) لولاية ثالثة، أثارت الاستياء الشديد، بل وتم رفض ذلك من قبل المجلس الوطني للحزب.

بالضرورة فإن أقوال الأحزاب والشعارات والوعود تكون كبيرة فترة الحملات الانتخابية ومنها وعود المصباح (شعار حزب العدالة والتنمية الاخواني) والتي ذاب كثير منها في ظل الواقع فخلّف استياءً، وخلف نفورًا شعبيًا تجلّى بالأصوات، رغم أن عديد المحللين المغاربة يرجعون التراجع الاخواني لأسباب أخرى كثيرة منها طريقة عد الأصوات في النظام الانتخابي الجديد أيضًا.

تحدث المحللون عن الفساد وعن ارتفاع منسوب الغضب الاجتماعي وعن اهتزاز الثقة بالاحزاب في المغرب، وعن تردي الخدمات العمومية وتراجع قيم النزاهة وصولًا الى فقدان الثقة السياسية والاجتماعية نتيجة الفساد والتهميش، فلم تفد مقولة “احتلال القلوب” -أو امتلاك القلوب كما يسميها الكاتب المغربي عبداللطيف مجدوب- عبر مسارات “البر والاحسان” كمدخل متكرر للفوز بالسلطة، في ظل حقيقة التعطش للسلطة والكرسي الوثير.

دعونا نتساءل مما سبق هل يأتي اليوم الذي تقف فيه جميع الأحزاب والتنظيمات والتشكيلات في الدول العربية والاسلامية وقفة واحدة لتفهم معنى التنوع ومعنى التعدد بلا إقصاء وبلا استغلال للدين، وبلا تضليل تعبوي “اخواني” أو غير اخواني، ضمن مفهوم إعادة الهيبة والمنعة للأمة، وجامعتها فلسطين، في ظل التمدد الصهيوني والعقلية الاستعمارية الغربية الطاغية مع النفس الاستهلاكي الاستجدائي وغير المنتج؟

لنختم بالقول أن انطفاء مصباح “الاخوان المسلمين” في المغرب بصاعقة حلت عليهم، لايجب النظراليه بانتهاء حقبة “الاخوان المسلمين” بتاتًا، فهذا التنظيم الذي صاغ الأفكارالمختلفة منه وفيه، وخاض منتسبوه الصراعات الداخلية العميقة بين تطرف الادعاء بالنطق عن الرب! الى عملانية “براغماتية” خرق المحرمات الحزبية بالانتخابات والديمقراطية وتبني القومية والوطنية ودخول معتركها، هو تنظيم -رغم كل ما يقال عنه- قادر على الاستمرار ليس لقوة أو مصداقية أو صحة الأفكارالتي يمتلكها-ونحن نحتلف مع كثير فيها- وإنما لقدرته الادارية والتنظيمية الكبيرة في امتصاص الضربات إضافة لقدراته التعبوية المشهودة، وتنقله بين اليمين واليسار في مجال العمل السياسي في مساحة ستظل مفتوحة على المستجدات.

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سياسة واشنطن في الشرق الأوسط: الأمن أهم من حقوق الإنسان !

ميديا نيوز – رسم الرئيس الأمريكي جو بايدن، الثلاثاء 21 سبتمبر/أيلول 2021، ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم