الرئيسية / WhatsApp / ترفض السعودية جعل اليمن ورقة تفاوض بين أمريكا وإيران

ترفض السعودية جعل اليمن ورقة تفاوض بين أمريكا وإيران

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
Dr_mahboob1@hotmail.com

من يتذكر أن السعودية التي أقدمت على قيادة تحالف في اليمن لوقف النفوذ الإيراني بعد التوقيع النووي بين إيران والدول ال5+1 في عهد أوباما، هي نفسها اليوم في عهد بايدن، لن تسمح من أن يصبح اليمن ورقة تفاوض بين إيران وأمريكا، خصوصا بعد التجييش الإيراني ضد إدارة بايدن التي تنتهج الدبلوماسية في التعامل مع الملف النووي حتى الآن، في المقابل تنتهج إيران نهجا معاكسا تماما من أجل الضغط على الإدارة الأمريكية، كإعلان الحوثيين في اليمن مسؤوليتهم عن هجوم بطائرة من دون طيار على مطار أبها، وعثر على أحد أبرز منتقدي حزب الله اللبناني الصحافي لقمان سليم مقتولا في سيارته، وفي كردستان العراق أعلنت سرايا أولياء الدم تابعة لعصائل أهل الحق مسؤوليتها عن سلسلة من الهجمات الصاروخية في أربيل وما حولها.

وإن كانت أمريكا ترفض رفع العقوبات القصوى التي فرضها ترمب حتى تعود إيران إلى طاولة المفاوضات والاستجابة لمطالب المجتمع الدولي ما جعل إيران توقف فجأة تفتيش وكالة الطاقة الذرية في 23/2/2021، لكن إيران ترى في بايدن شخصية أوباما.

رغم أن الولايات المتحدة أظهرت أنها بصدد البحث عن فرص حلول سلمية في اليمن، وأرسلت مبعوثها إلى اليمن لأول مرة تيموثي ليندركينغ إلى جانب المبعوث الأممي مارتن غريفيث، لكن هذا لن يسكن مخاوف السعودية، إذ أن لها تجارب سابقة عندما أوقفت الإرادة الدولية تحرير الحديدة لصالح الحوثيين، واستبدلته باستكهولم، فقط من أجل أن يكون هذا الاتفاق مخدرا لدول التحالف بقيادة السعودية، والذي كان مجرد اتفاق على ورق لم تلتزم به الجماعة الإنقلابية، ولم تلتزم أيضا بجميع الاتفاقيات الأخرى التي عقدت في سلطنة عمان والكويت.

اليوم ينبئ حسن نصر الله زعيم حزب الله اللبناني من أن الحوثيين قادمين على نصر عظيم ورسم معادلة جديدة، يبدو أنه لم يفهم أنه توقع نفس التوقعات في سوريا، لكن الدور السعودي جعله يهزم في سوريا ولم تتمكن روسيا من حمايته، وتم إخراجه صاغرا من سوريا بعد سيناريوهات انتهجتها السعودية.

لذلك ليس أمام هذين المحورين سوى استخدام الإعلام المضاد التابع للمحورين الممانعة والإخواني من الترويج للعامة والسذج من أن السعودية دعمت صفقة القرن، والتطبيع مع إسرائيل، رغم أن السعودية أعلنت موقفها الواضح والصريح أنها لن تقيم علاقة مع إسرائيل حتى تتقبل إسرائيل بقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، فيما إقامة دول خليجية يعتبر شأن سيادي ولا تمانعه، وهي سياسة سعودية ضربت المحورين في مقتل وحجمتهما وفضلت إسرائيل على إقامة علاقة مع محيطها العربي على إيران وتركيا، خصوصا وأنها أقامت علاقة مع السودان والمغرب وكل منهما حققا مصالح إستراتيجية فالسودان تم رفعه من قائمة الإرهاب، والمغرب يتم الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الاسبانية.

لكن هذين المحورين لا يعترفان أنهما كانا يقيمان علاقات وثيقة مع إسرائيل، بل كان يقيمان تحالفات متينة مع إسرائيل على حساب العرب بل ضدهم، فإسرائيل دعمت طهران بالأسلحة في الحرب الإيرانية العراقية، وحتى في غزو العراق عام 2003، وحاول أردوغان مع إسرائيل إقامة خط غاز من إسرائيل إلى أنقرة ثم إلى أوروبا عام 2016، لتصبح أنقرة مقرا إقليميا للغاز، لكن استطاعت مصر انتزاع هذا المقر لصالح القاهرة، وأصبحت القاهرة اليوم مقرا لمنتدى الغاز الإقليمي، ويتم نقل الغاز إلى دمياط من إسرائيل ومن بقية الدول لتسييله ثم نقله لأوروبا.

استطاعت السعودية بعدما اتبعت سياسات جديدة غير تقليدية تفكك من خلالها هذه المحاور، وجعل إسرائيل هي من تقوم بضرب مليشيات إيران وعلى رأسها حزب الله، لكن الغريب نجد أن المليشيات الإيرانية وإيران ترفض القيام بأي ضربات مماثلة، لأنهم يدركون أن قيامهم بمثل هذه الضربات هذه المرة هي نهايتهم تماما، خصوصا بعدما استطاعت إسرائيل استهداف قلب طهران، وقتل العالم النووي، وضرب عدد من مفاعلاتها النووية.

كذلك لن تقبل السعودية انتزاع الحوثيين مأرب لأنه يعتبر انتصارا إيرانيا على السعودية، ولن تراعي أي ضغوط دولية عليها هذه المرة، مثل الضغوط السابقة عليها في الحديدة التي أوقفت نزع الحديدة من الحوثيين، بعدما اتهمت الإدارة الدولية دول التحالف بانتهاك حقوق الإنسان في اليمن، لكن هذه المرة لن تسمح السعودية بانتزاع مأرب الغنية بالنفط والغاز التي هي بمثابة الدخل الرئيسي للشعب اليمني، وفيها 140 مخيما للنازحين، وتعتبر مأرب بوابة الشمال والجنوب في آن واحد.

خصوصا وأن مأرب هي آخر معاقل المقاومة اليمنية، ولن تسمح السعودية من استئثار الحوثي بمأرب، وتسخيرها في دعم حركاته العسكرية فقط من أجل إرضاء بايدن لطهران من أجل التنازل عن تعنتها، بعدما رفعت إيران سقف مطالبها بعد مجئ بايدن الذي يحاول استرضاء طهران من أجل العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015.

حيث تريد طهران عودة الاتفاق من حيث بدأ الاتفاق، بينما الأمريكيون يريدون اتفاقا جديدا يتضمن أيضا برنامج الصورايخ والنفوذ الإيراني، وتود طهران باستخدام ورقة اليمن من أجل هدفين رئيسيين الأول الحفاظ على مكاسبها، وبشكل خاص مكاسبها في اليمن، والهدف الثاني إشغال السعودية في اليمن من أجل أن تغض الطرف عن مطالبها عن مشاركتها في الاتفاق النووي الذي ترفضه طهران بالكلية، وتصر عليه السعودية وحتى الآن لم يتم التشاور إلا مع إسرائيل فقط، في المقابل هي أيضا ورقة لبايدن في الضغط على السعودية التي تصر على أن تكون طرفا في الاتفاق النووي، وكذلك في وقف السعودية شراكاتها الضخمة مع الصين وروسيا، وعندما تفشل أمريكا تستخدم الورقة الحقوقية، وإن كان الكونغرس أوضح لبايدن من أنه لا يستطيع على السعودية فهي دولة أصبح لها صدى ومكانة ليس فقط عربية وإسلامية بل ودولية خصوصا بعدما أثبتت قدرتها على قيادة مجموعة عشرين ونجحت في قيادة ملفات كثيرة أبرزها ملف الطاقة التي استفادت منه الولايات المتحدة وبشكل خاص النفط الصخري الغرير قادر على الإنتاج في ظل الأسعار المتدنية.

منذ تولى بايدن منصبه، صعد وكلاء إيران الإقليميون، يمكن أن يعيدنا هذا إلى نفس السيناريو الذي اتبعته طهران بعد انتهاء الاتفاق بينها والدول 5+1 حول الاتفاق النووي اتجه قاسم سليماني بعد هذا الاتفاق مباشرة إلى موسكو لحماية نظام بشار الأسد، بعدما عجزت إيران عن حمايته، لأنها كانت تعتبر الاتفاق النووي موافقة على نفوذها الإقليمي، حينها ندد أوباما بهذا التصعيد الإيراني الذي لم يحترم الاتفاق الذي تم التوصل إليه، ولكنه لم يتخذ أي إجراء ضد طهران، ما يجعل السعودية تتابع الأوضاع عن كثب اليوم ف يعهد بايدن حتى لا يتكرر ما حدث في عهد أوباما، بسبب أن إيران تقوم بما قامت به في عهد أوباما من تصعيد تقوم به الآن في عهد بايدن، ولن تثق السعودية بعبارات رنانة تطلقها إدارة بايدن من وقت لآخر كعبارة ندعم شركاءنا في المنطقة.

ما شجع الحوثيين محاولتهم الحثيثة في السيطرة على مأرب الذي يمكنهم من التمدد إلى باب المندب جنوب غرب، ويكون لإيران هيمنة استراتيجية على باب المندب الذي لن تقبل السعودية به أن يتحقق مهما كانت التضحيات، حتى لو كان الهدف استنزاف الاقتصاد السعودي لتحقيق أهداف وأجندات تطلبها الولايات المتحدة من السعودية بسبب أن بين الطرفين خلافات حول العديد من الملفات الساخنة في المنطقة وبشكل خاص حول وقف النفوذين الصيني والروسي، رغم أن السعودية ترفض الدخول في أي محاور، وعلاقاتها علاقات شراكة وتوازن مع جميع الأطراف وترفض الدخول إلى جانب طرف ضد الأطراف الأخرى.

يتبع الحوثي هجمات الأنساق أي المجموعات في محاولتها اجتياح مأرب، لكن صمود مأرب شوكة أمام النفوذ الإيراني، خصوصا بعدما فشل الحوثي في اختراق الدفاعات الرئيسية للقبائل والجيش اليمني في محور الكسارة غربي مأرب، وهي أقرب نقطة تماس إلى مدينة مأرب، بالإضافة إلى محاور في جبهات صرواح والمخدرة، والتي وجدت أن هناك ضربات جوية مكثفة للتحالف دمرت أكثر من 30 دورية وآلية قتالية بجانب دك غرفة عمليات متقدمة للمليشيات غربي معسكر ماس الاستراتيجي.

ينتظر الحوثيون ردة الفعل الدولية، وذلك بعد شهور من كر وفر متقطعة، لكن بعدما أعلن بايدن رفع الحوثيين من قائمة الإرهاب سارع الحوثيون نحو تكثيف هجماتهم ووجدوها فرصة لهم في تحقيق نقاط على الأرض وفرض واقع جديد، وهم يحاولون السيطرة على مأرب منذ أكثر من عام، حيث يريدون السيطرة على كل الشمال باجتياح مأرب التي تبعد 120 كيلو مترا شرق العاصمة صنعاء حيث يفرض الإنقلابيون الحوثيون سيطرتهم على صنعاء منذ 2014.

ولم يستخدم المجتمع الدولي نفس اللغة التي استخدمها مع التحالف عندما أراد انتزاع الحديدة من الحوثيين عام 2018 لوقف تهريب الأسلحة للحوثين، ولوضع نهاية للأزمة الإنسانية في اليمن، فيما الدعوات اقتصرت على مطالبة جميع الأطراف على مضاعفة الجهود لدعم عمل المبعوث الأممي مارتن غريفيث في تحقيق حل سياسي ووقف لإطلاق النار في عموم البلاد في أسرع وقت ممكن.

تهدد هذه المعارك نحو مليوني نازح كانوا استوطنوا 140 مخيما في مأرب باعتبار مأرب أكبر معقل اقتصادي للحكومة المعترف بها دوليا، فانتزاع مأرب مكسب للحوثيين ويمثل أكبر خسارة للحكومة الشرعية، وتبدأ مرحلة جديدة من الصراع، خصوصا وأن البخيتي ممثل الحوثيين أعلن رفض الجماعة الاعتراف بالمبادرة الخليجية والأممية، وأنهم مصممون على شرعية الحكم الإمامي، التي هي بمثابة دغدغة لمشاعر كثير من الإسلاميين، وحتى القوميين.

تدرك السعودية أنه منذ احتلال الولايات المتحدة العراق عام 2003 بدعم مباشر من إيران التي قدمت للغزو خدمات لوجستية متقدمة، وبالفعل سمحت أمريكا لإيران من التوغل مذهبيا وطائفيا في العراق، ومنذ ذلك الوقت بدأ النفوذ الإيراني يأخذ مدى أوسع من العراق مستخدما العقيدة المذهبية، وبدأ الحوثي في 2004 يستنسخ العقيدة السياسية الإيرانية، ويتلقى الدعم السياسي والمالي والعسكري والإعلامي من إيران حتى تحول إلى مخلب إيران في اليمن لتطويق السعودية من أجل انتزاع الحرمين الشريفين أو انتزاع موافقة سعودية على تدويل الحرمين مع إيران كما تطلب.

لذلك نجدهم اليوم يعدون معركة مأرب مصيرية بالنسبة لهم، وبدأ الشعب اليمني يستيقظ من غفوته، وبدأت الحاضنة الشعبية والقبلية تنتفض بعد مرحلة تراخي ومداهنة للحوثيين إما خوفا منهم أو تعاونا تآمريا معهم خدمة لأجندات إقليمية ودولية، حتى تحول الحوثيون إلى قوة ضاربة، وبدأ الجميع يصورون أن معركة مأرب مصيرية ليست فقط لليمن بل للعرب أمام التهديد الإيراني لشبه الجزيرة العربية.

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وفاة الفنانة الجزائرية نعيمة عبابسة، رائدة الأغنية الشعبية الجزائرية

الجزائر – ميديا نيوز – توفيت الفنانة والمغنية الجزائرية، نعيمة عبابسة، الأحد ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم