الرئيسية / WhatsApp / ثورة دبلوماسية سعودية تجبر أمريكا في التحول من الدبلوماسية في التعامل مع إيران إلى خيارات أخرى

ثورة دبلوماسية سعودية تجبر أمريكا في التحول من الدبلوماسية في التعامل مع إيران إلى خيارات أخرى

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
Dr_mahboob1@hotmail.com

بعد تراجع الإمبراطورية العثمانية والبريطانية وبروز الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي زمن الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تبحث إيران عن إنتاج إمبراطوريتها، وبعد خروج بريطانيا من منطقة الخليج عام 1971 اتجهت إيران فورا إلى احتلال الجزر الإماراتية، ونصب شاه إيران نفسه شرطي الخليج، خصوصا وأن الجغرافيا الإيرانية محاصرة من الشمال ببحر قزوين المغلق، والذي تهيمن عليه دولة عظمى كروسيا، ومن الجنوب مضيق هرمز الذي يمكن قفله من قبل الدول العظمى في وجه إيران، رغم أن لها إطلالة على بحر العرب.

لكن إيران لديها طموح في الوصول إلى مضيق باب المندب، والوصول إلى القرن الأفريقي، وبشكل خاص إلى الصومال الذي تتصارع عليه إيران وتركيا من أجل أهداف توسعية، وعانت إيران منذ إنشاء الدولة السلطانية على يد الشاه إسماعيل الصفوي هزائم على يد الدولة العثمانية مبكرا في 1514 في معركة جالديران في عقر دارها، وهزمت مرة أخرى في بلاد الرافدين عام 1534 تذكرها بمعركة القادسية، وكذلك عام 1639، بجانب خوضها أربعة حروب مع روسيا، كان أقصاها في النصف الأول من القرن التاسع عشر التي انتهت باتفاقية غولستان في عام 1813، ومعاهدة تركمان شاي في 1828، لكن تسببت هذه الحروب مع روسيا سلخ أجزاء من الجغرافيا الإيرانية في جنوب القوقاز وأيضا أجزاء من شماله.

لكن بريطانيا التي شكلت خريطة المنطقة العربية بالمشاركة مع فرنسا المتمثلة في اتفاقية سايكس بيكو 1916 التي قسمت أملاك الدولة العثمانية، هنا بدأت طموحات إيران تعود بعد كبحها من قبل الدولة العثمانية وروسيا، وأرادات بريطانيا أن يكون الخليج العربي مقاسمة بين إيران والعرب بل تميل الكفة لصالح إيران، أي أن لكل طرف له إطلالة مستقلة على ساحل الخليج العربي، بدلا من أنه يكون الساحلين للعرب، خصوصا وأن هناك قوة صاعدة في الجزيرة العربية الدولة السعودية الثالثة يقودها الملك عبد العزيز آل سعود الذي استطاع بحنكته السياسية، والتفاف القبائل والعشائر حوله وتقديم له كل دعم من أجل توحيد شبه الجزيرة تحت حكم موحد كما كانت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فأعطت بريطانيا إيران منطقة الأحواز العربية في 1924، وكذلك قضمت من الجغرافيا السورية لواء إسكندرونة 1939 وأعطته تركيا.

إعطاء منطقة الأحواز العربية لإيران من أجل أن يخلق توازن قوى بين عرب الجزيرة وإيران، خصوصا وأن بريطانيا منعت الملك عبد العزيز من ضم مشيخات دول الخليج، مما أعطى إيران تفوق جيوستراتيجي اكبر، لأن حماية هذه المشيخات مسؤولية السعودية.

فعادت إيران إلى الطموحات السابقة، في أن تركز على التنافس العقائدي، وأرادت هذه المرة محاصرة السعودية من أجل الهيمنة على بلاد الحرمين، ساعدها في ذلك أن الغرب يلعب بورقة الجيوعقائدية، والقومية، والأقليات وتقرير مصيرها، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، مثلما واجهت بريطانيا الدولة العثمانية بالقومية العربية، عندما دعمت الشريف حسين الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية التي بدأت في يونيو 1916، وحققت الثورة العربية انتصارا على تركيا، لكن بريطانيا قابلت هذا الجميل بتقسيم المنطقة العربية بين بريطانيا وفرنسا، ورفض الأمير فيصل ابن الحسين التوقيع على معاهدة فرساي عام 1919 رافضا هذا الانتداب لكن بريطانيا اكتفت بتنصيب إبني الشريف حسين على العراق والأردن، كما دعمت بريطانيا ملك مصر فؤاد بأن ينصب خليفة للمسلمين من أجل الحفاظ على مصالحها، لكن الدول الإسلامية رفضوا ذلك، بسبب أن مصر تحت الحماية البريطانية، وكانت الدول الإسلامية ترى الأحق هي السعودية، لكن الملك عبد العزيز الذي دعا لمؤتمر إسلامي في مكة في عام 1926 بعدما رفض أن ينصب نفسه خليفة، لأنه لا يود أن يزاحم مصر، باعتبارها دولة عربية كبرى، فكانت دعوة الملك عبد العزيز في المؤتمر إلى توحيد الصف الإسلامي، وهذا المؤتمر يقر شرعية رعاية السعودية للحرمين الشريفين، فحضرت مصر المؤتمر، فيما غابت إيران عن هذا الحضور.

استمر الغرب يلعب بورقة الجيوعقائدية، فحاربت أمريكا الاتحاد السوفيتي بالقاعدة التي كانت تحت رعايتها بالتوافق مع الدول العربية، باعتبار أنه محاربة دولة شيوعية احتلت بلدا إسلاميا، وبالاتفاق بين أمريكا وفرنسا تمت الإطاحة بالشاه والاتيان بزعيم عقائدي الخميني وحلت العمامة مكان التاج، الذي تولى تصدير ثورته إلى المنطقة العربية من أجل الهيمنة على المنطقة العربية، والهدف الأعظم كان الهيمنة على الحرمين الشريفين، ومحاصرة السعودية من جميع الجهات.

حول الخميني إيران من دولة بهلوية تأسست عام 1925 إلى دولة عقائدية تحت مسمى الجمهورية الإسلامية، وبعودة ظروف القرن السادس عشر الربط الأيديولوجي بين الشعب والجغرافيا، بهدف فرض حدود عقائدية بينها وبين منافسها العثماني، بينما اليوم يهدف الغرب إلى تكرار سيناريو القرن السادس عشر وفرض حدود عقائدية بينها وبين السعودية، ساعد إيران تعويض بريطانيا إيران بتوسيع جغرافيتها على حساب العرب، بعدما منحتها منطقة الأحواز الجزء الشرقي من الخليج العربي، وتفتيت الساحل الغربي بين مجموعة دول، مما يصعب الدور السعودي في حماية هذه الدول، ولكن كما هزمت الدولة العثمانية النفوذ الإيراني ستهزم السعودية النفوذ الإيراني تصديقا لنبؤة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال ( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده).

خدمت إيران ظروف جيوسياسية عديدة، منها احتلال أمريكا العراق 2003، ثم تسليمه لإيران، كذلك تولي الولايات المتحدة دعم ما يسمى بثورات الربيع العربي التي أشعلت النيران في جميع أنحاء المنطقة العربية.

تنافس على المنطقة العربية محورين عقائدين، هما محور الممانعة والمقاومة الذي يتولاه الحرس الثوري الإيراني، ومحور الإخوان الذي تتولاه تركيا، لم يتبق في المنطقة العربية سوى السعودية، التي بدأت تصارع على كافة الجهات، وأصبحت بين فكي كماشة من الشرق والغرب.

سمح لإيران أن تصل إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا التقت بحزب الله في لبنان الذي تشكل منذ فترة طويلة في عام 1982، ولم يتنبه العرب لخطر المليشيات التي تتولى إيران تشكيلها في المنطقة العربية، لكن كانت أجزاء من إيران محتلة، فلم يعترض العرب على إنشاء حزب الله، ووصلت إيران إلى اليمن فأصبحت تطل على مضيق باب المندب.

كذلك تركيا أقامت قاعدة في قطر وفي الصومال، وكادت تقيم قاعدة في السودان في سواكن، لكن السعودية التي وحدها الملك عبد العزيز، وصمد ملوكها من بعد الملك عبد العزيز، لا يمكن أن تستسلم لمثل هذه المشاريع.

بدأت السعودية من البحرين وحمايتها من الحرس الثوري الإيراني عام 2011 ولم تكترث بالتهديدات الأمريكية، وإنقاذ مصر من فك وفلك الإخوان عام 2013 أيضا ولم تكترث من التحذيرات الأمريكية، ثم اتجهت إلى تشكيل تحالف رباعي عربي بين السعودية ومصر والإمارات والبحرين، أعقبته بتشكيل تحالف بين الدول المتشاطئة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وشكلت مصر تحالف منتدى الغاز في شرق المتوسط ولم تشترك فيه تركيا، ثم شكلت تحالف آخر بين مصر والأردن والعراق لاستعادة الأمن العربي، بجانب تحالفات أخرى، أنتج قلقا جيوسياسيا لدى إيران وتركيا.

خصوصا بعدما شعرت إيران بسيطرة باكو على الممرات الاقتصادية الإيرانية إلى أوربا عبر أرمينيا، ولأول مرة منذ سقوط الدولة العثمانية هناك طرق مباشرة بين أذربيجان وتركيا دون المرور لا بإيران ولا بأرمينيا، خوفا من أن يزيد من عزلتها، ودعمت السعودية إسلام أباد التي تتخوف هي الأخرى من إيران، ما جعلها تدخل في مناورة عسكرية مع أنقرة وباكو أرهب إيران، بسبب أن إسلام أباد تخشى من تدخل إيران في إقامة علاقة مع طالبان ضد إسلام أباد، وتخشى أيضا من توظيف إيران المقاتلين الشيعة من إسلام أباد العائدين من سوريا، وكذلك تخشى من دعم حركة تحرير بلوشستان.

أزاحت المظاهرات أيضا الإخوان من السودان عام 2019، وكذلك في تونس والمغرب وخسارة الأحزاب الولائيين في العراق الانتخابات، فأصبحت المنطقة العربية أقرب إلى تحقيق الأمن العربي مقابل انحسار المحورين الاخرين.

رغم ذلك لم تستسلم تركيا في ليبيا، وتحاول الإبقاء على بعض مكاسبها، لذلك هناك محاولات لتعطيل الانتخابات، وكذلك ترفض إيران الاستسلام في اليمن، وكذلك في لبنان والعراق، فاتجهت إلى محاولة اغتيال الكاظمي رئيس وزراء العراق.

ما يعني أن الشعب الإيراني يدفع ثمن مغامرات حكامه الذين يبحثون عن رمزية تاريخية، وتنبهت أذربيجان طموحات ملالي طهران، ولم تسمح لهم بالتمدد داخل أذربيجان لا عقائديا ولا روحيا، وقامت مبكرا بإغلاق كل النوافذ التي يمكن أن يتسرب منها التأثير الأيديولوجي على المستويات كافة، وكذلك السعودية فعلت ذلك وتنبهت منذ زمن طويل.

بالطبع يخشى ملالي طهران أن مصادمات مدينة تبريز الأذرية في 1978 أن تنتقل إلى جميع مدن إيران والتي أسقطت الشاه في 1979، كذلك يخشى الملالي اليوم بل لديهم قلقا غير مسبوق ليس جيوسياسيا فقط، بل هو أكثر تعقيدا على المستوى القومي بسبب تداعياته الداخلية، لذلك تتمنى إيران الحوار مع السعودية، وعودة العلاقات المقطوعة معها منذ عام 2016 بعد إحراق السفارتين السعوديين في مشهد وطهران، وهي اليوم تطالب بحوار شفاف من قبل السعودية، لكن السعودية لا تود أن يكون الحوار من أجل الحوار، بل تريد حوارا فعالا بأن تعود إيران إلى وضعها الطبيعي، ووقف نفوذها في المنطقة العربية.

حيث لدى السعودية استراتيجية كان يرددها الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي رحمه الله في أن السعودية تؤكد على استقرار العراق، ومسالمة إيران وازدهار اليمن ولا تزال هذه هي الاستراتيجية السعودية.

لم تكتف السعودية بتلك التحالفات، بل شكلت مجموعة تحالفات جيوستراتيجية واقتصادية طموحة، واكبت إنشاء رؤية اقتصادية في داخل السعودية رؤية المملكة 2030، وبدأت في عهد ترمب بتشكيل تحالفات عسكرية للقضاء على داعش حتى لا يكون هناك مبرر لتشكيل إيران وتركيا مليشيات في المنطقة العربية.

النفوذ الإيراني أزعج الولايات المتحدة وإسرائيل والعرب، فترى إسرائيل أن أي اتفاق مع إيران حول النووي الإيراني سيكون مؤقتا، وأن الإسرائليين لديهم خطوط حمراء خاصة بهم، وتعتبر إسرائيل أن عودة إيران إلى طاولة المفاوضات في 29 نوفمبر 2021 شكليا، ولن تدعمه إسرائيل، والسعودية تنظر إلى إسرائيل من أنها عدو عاقل، وحتى الآن لم تعتد على المنطقة العربية كما اعتدت إيران، ولكنها تحتل فلسطين وفق وعد بلفور في 2017 مثل منح بريطانيا الأحواز لإيران في 1924، ولواء الاسكندرونة لتركيا في 1936، ولا زالت السعودية تضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل تحقيق المبادرة العربية في بيروت 2002، وهناك التقاء حول النفوذ الإيراني بين إسرائيل السعودية والعرب، فاسرائيل تواصل ضرب الأسلحة الإيرانية المتجه لحزب الله النوعية عبر العراق أو سوريا، وتضرب كل مستودعات الذخيرة في سوريا بالتنسيق مع روسيا حتى المخازن التي تحتمي بالقاعدة الروسية في طرطوس.

الضغوط الدبلوماسية السعودية أجبرت إدارة بايدن على تغيير مواقفها التي تبنتها من أن الدبلوماسية التي انتهجها منذ قدومه إلى البيت البيض غير نافعة في التعامل مع إيران، فلجأت أمريكا إلى استعراض القوة عبر قاذفات بي -1 لانسر التي قامت بدورية جوية في سماء الشرق الأوسط استمرت 5 ساعات، قادمة من القرن الأفريقي عبرت قناة السويس ثم اتجهت إلى الخليج العربي ومضيق هرمز رافقتها طائرات سعودية وإسرائيلية ومصرية وبحرينية.

وكما أوضح ماكنزي قائد القيادة المركزية إن الاستعداد العسكري لأي طارئ أو مهمة، وهي خامس دورية لهذا العام تزامنا مع تعثر المفاوضات الرامية إلى انقاذ النووي الإيراني، ما جعل إيران توافق فورا على استئناف المفاوضات النووية.

ما يعني أن الدبلوماسية التي أقرها بايدن في التعامل مع إيران فشلت، بل تواصل إدارة بايدن تشديد العقوبات التي فرضها سلفه ترمب على إيران، وهي تراقب تصدير إيران نفطها عبر سفن غير إيرانية وتمنعها من الإبحار كما حدث في بحر عمان عندما أعادت الولايات المتحدة الناقلة الفيتنامية التي تحمل نفطا إيرانيا أفرغته إيران في ميناء بندر عباس وأفرجت عن السفينة الفيتنامية.

 

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لماذا تسلمت زوجة محمد صلاح جائزة القدم الذهبية نيابة عنه رغم تواجده؟ (فيديو وصور)

ميديا نيوز – خطفت ماجي صادق زوجة المصري محمد صلاح نجم ليفربول ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم