الرئيسية / WhatsApp / جيوبولتيكية الأديان .. تسليم أمريكا أفغانستان لطالبان

جيوبولتيكية الأديان .. تسليم أمريكا أفغانستان لطالبان

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
Dr_mahboob1@hotmail.com

انتقلت أمريكا بعدما قلبت طاولة الانتصار ضد دول المحور في الحرب العالمية الثانية، وبدأت مرحلة الحرب الباردة بتقاسم ألمانيا بين الغرب والاتحاد السوفياتي، إلى أن انهار الاتحاد السوفياتي، وتوحدت ألمانيا تحت قيادة الناتو، وبدأت مرحلة القرن الأمريكي، وحلت أمريكا في منطقة الخليج العربي بعدما انسحبت بريطانيا عام 1971 بعدما استمرت لمدة قرنين.

اليوم دخلت الولايات المتحدة مرحلة ما بعد القرن الأمريكي، بعد مرحلة صعود الصين وروسيا، وهي بحاجة للتفرغ لمواجهتهما، فكيف ترسم ملامح سياستها الخارجية في تحقيق تلك المواجهة؟، وهل لا زالت تستخدم جيبولتيكية الأديان التي استخدمتها منذ الحرب الباردة؟، أي الورقة الدينية والجهادية والمذهبية في رسم تلك المواجهة من أجل إعادة تشكيل الهيكل الإقليمي لمنطقة الخليج العربي باعتماد استراتيجية توازن القوى عن بعد، وذلك من خلال الاتكاء بشكل أساسي على كل من السعودية وإيران، الذي يشوبهما حالة من التوترات الإقليمية والتصعيد نتيجة تبني إيران سياسة تصدير الثورة، وما ترتب على ذلك من تشكيل ولاءات في العراق وفي لبنان واليمن وسوريا، نتج عن ذلك حرب باردة بين السعودية وإيران، وأصبحت المنطقة مكشوفة للتدخلات الخارجية من قبل قوى كبرى ولكن كيف تتعامل الولايات المتحدة مع هذه الضغوط من قبل الطرفين؟.

هناك استراتيجية للولايات المتحدة ذكرها هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة ( 1973 – 1977 ) ( ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تحل أي مشكلة في العالم، لكن من مصلحتها أن تمسك بخيوط المشكلة، وتحرك هذه الخيوط حسب المصلحة القومية الأمريكية).

بعدما قطع العرب النفط عن الدول الغربية بسبب دعم الغرب لإسرائيل في حرب 1973، بالطبع لم يكرس الغرب لتنويع مصادر الطاقة فقط، بل كانت هناك نوايا لتدمير وتفتيت العرب لكن غضبهم هذا أفسد عليهم استراتيجية توازن القوى الإقليمية، ولم يغفر لهم أن الرئيس أنور السادات زار إسرائيل في 19 نوفمبر 1977، وتم توقيع معاهدة كامب ديفيد في 19 نوفمبر 1978 التي أحدثت صدمة للعرب وللقادة، نتج عن ذلك تزعم الرئيس صدام حسين جبهة رفض عربية، ونقل مقر الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس، استمرت المقاطعة نحو 10 سنوات، وهناك دول رفضت المقاطعة منها عمان والصومال والسودان، إلى أن انتهت باغتيال السادات على يد جماعة الجهاد الإسلامي في 6 أكتوبر 1981، وانتهت المقاطعة عام 1990.

كمقدمة ولست أود الدخول في نظريات المؤامرة، ولكن هناك ثوابت إلهية ونبوية، ولا نتعجب كثيرا عندما يستجيب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، عندما مزق كسرى كتاب رسول الله الذي كان يحمله شجاع بن وهب، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم على كسرى عندما قال مزق كسرى ملكه، فتنزلت اللعنات على رؤوس الأكاسرة حتى انتهت دولتهم في معركة القادسية في زمن الفاروق 14 هجرية، فاحتفل شاه إيران عام 1971 بذكرى مرور 2500 عام على إنشاء الإمبراطورية الفارسية، وغير التاريخ الهجري بسنة اعتلاء سايروس على العرش.

دخل وقتها كارتر البيت الأبيض عام 1977 وأراد أن يغير صورة الولايات المتحدة في حرب فيتنام، وتغيير السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فأنشأ وقتها مكتب خاص لحقوق الإنسان، ورغم أن الولايات المتحدة حليف قوي جدا للشاه، لكنها رفضت أن تدافع عن الشاه بعدما حملت المعارضة السافاك قتل علي شريعتي ومصطفى الخميني، فأصبح الخميني قائد المعارضة المناوئة للشاة، ولم تدعم أمريكا الشاه في مواجهة الثورة الخمينية، بل كان هناك تمثيل أمريكي غربي عند تدشين حكم الخميني الذين استولوا على السلطة في 12 فبراير 1979، وهي أيديولوجية بتركيبة معقدة من القومية والشعبوية السياسية والمذهب الشيعية.

في المقابل تدخل الاتحاد السوفياتي وأحتل أفغانستان في 24 ديسمبر 1979 ردا على دعم أمريكا الثورة الخمينية، باعتبار إيران حاجة أميركية ضد الاتحاد السوفياتي، فدعمت أميركا الجماعات الجهادية لمحاربة الشيوعية في حرب ضروس، أرادت أمريكا توريط بريجينيف في حرب أفغانستان دعم حينها ريغان تلك الحرب الضروس وأمر الدول السنية بفتح باب الجهاد في أفغانستان ضد الشيوعية، إلى أن خرج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان في 15 فبراير 1989، لكن العائدين من أفغانستان قادوا حروبا ضد أنظمة الدول العربية في الجزائر ومصر والسعودية واليمن، إلى أن ارتدوا أيضا على أمريكا وتسببوا في تفجير برجي نيويورك، أعطى ذريعة لاحتلال أفغانستان، دون التفكير مليا في هروب الاتحاد السوفيتي من أفغانتسان.

نحن أمام حروب قذرة وعلام أقذر، يستخدم سلاح الإعلام الفتاك الذي يقلب الحقائق، أيضا يهدف لتشويه الإسلام وإعطاء معلمات مغلوطة عن الإسلام لغير المسلمين، عندما يقدم ويدعم جماعات إسلامية متشددة أو متطرفة، ودائما ما تجعل هذه الجماعات بل والمنطقة معامل اختبار، الجميع اشترك مع الولايات المتحدة في حرب أفغانستان عام 2001، لكن لم يشترك الجميع في حرب العراق عدا إيران، فيما الجميع اشترك في تحالف لمحاربة داعش، رغم أن داعش ترك يستحوذ على أسلحة أميركية واستولى على ثلث العراق، مثلما الآن تسلم أميركا طالبان أفغانستان، وتترك له أسلحة، وكما تخلت عن الشاه، تخلت عن الحكومة الأفغانية.

بل إن أميركا تحارب أصدقاءها أكثر مما تحارب أعداءها، فهي من سلحت إيران هي وإسرائيل زمن الحرب العراقية الإيرانية، ما سميت بإيران كونرا أو إيران جيت في عهد الرئيس ريغان فقط لقاء إطلاق سراح بعض الأمريكان الذين كانوا محتجزين في لبنان عددهم خمسة في أغسطس 1985، واستخدام أموال الصفقة في تمويل الكونترا المناوئة للنظام الشيوعي في نيكارغوا من أجل تبرير هذه الأعمال.

لم تسلم أمريكا أفغانستان دون أي اتفاق، بل اتفقت الولايات المتحدة مع طالبان في الدوحة في 29 فبراير 2020 على اتفاق سلام، وتسليم أفغانستان لطالبان هي إحدى أدوات الضغط على إيران من أجل التوصل إلى اتفاق في فينا، بسبب أن إيران تدرك أنها حاجة أميركية في مجابهة الصين، لذلك هي تصعد بشكل متواصل بسبب أنها تضغط على الولايات المتحدة في الاحتفاظ بمكتسبات نفوذها الإقليمي مقابل ضغط آخر من السعودية في وقف النفوذ الإيراني، أو أنها ستلجأ إلى بدائل كثيرة تهدد المصالح الأميركية في المنطقة، مثل تمكين شهية روسيا للتمدد جنوبا والوصول إلى المياه الدافئة في الخليج العربي، بعدما وصل إلى مياه البحر المتوسط في سوريا الذي يهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة في مصادر الطاقة وحرية الملاحة عبر المضائق الحيوية في منطقة الخليج، وهددت السعودية إن امتلكت إيران سلاح نووي فستمتلك سلاحا نوويا في أقرب فرصة، وفي نفس الوقت لن تحارب السعودية إيران نيابة عن أمريكا وإسرائيل، لكن ضغوطها نجحت في خروج ترمب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 الذي وقعته إيران في زمن أوباما عام 2015، بل استطاعت ونجحت في نهاية مرحلة الحرب على الإرهاب وهي الورقة التي تلعب بها ليس فقط أمريكا بل وإيران وتركيا بعدما اقتنعت الدول الأوربية أن هذه الورقة تؤثر على أوربا بشكل مباشر وحتى هذه الورقة امتدت إلى أمريكا.

هناك تصريحات أميركية متناقضة، فمثلا نجد أن وزير خارجية أميركا أنتوني بلينكن في تصريحاته لشبكة سي إن إن قال نجحت الولايات المتحدة في مهمة وقف الهجمات ضدها، وأضاف ليس من مصلحتنا ببساطة البقاء في أفغانستان، وأكد الوزير أن بلاده لم تطلب أو تعد حركة طالبان بشئ، فيما يصف ديفيد بتريوس المدير السابق لوكالة المخابرات الأميركية أن استيلاء طالبان على السلطة بأفغانستان بأنه أمر صادم وكارثي على العالم، كذلك أكد السيناتور الأميركي الجمهوري ليندسي غراهام عندما قال إن المتطرفين في العالم يحتفلون مؤكدا أن ما يجري في أفغانستان خطر على أمريكا، فهل نحن أمام خلق زخم خبيث لإنعاش التطرف من جديد لمزيد من تشويه الإسلام كدين بسبب سرعة انتشار الإسلام؟، أم أن حكم طالبان يزعج كل القوى الإقليمية منها روسيا والصين وإيران؟، وهل أن أميركا سلمت العراق لإيران وأفغانستان لتركيا؟.

استعدت روسيا منذ أغسطس 2021 عندما اجتمع زعماء خمس دول بوسط آسيا، بما فيها البلدان المجاوران لأفغانستان في الشمال وهي أوزبكستان، وطاجيكستان، وتركمنستان، أعربوا عن قلقهم إزاء تأثير التطورات في أفغانستان على أمن منطقة آسيا الوسطى، كما أعلنوا أنهم سوف يواجهون هذا التحدي سويا، ورغم كل ذلك تتحدث طالبان مع روسيا والصين، وباكستان، وإيران، وهذه الدول ليست سعيدة بحقيقة أن الولايات المتحدة سوف تغادر على عجل في ظل فشل آخر متوقع.

أرادت الولايات المتحدة بهذا الخروج السريع لضرب المصالح الباكستانية الصينية، ففي أبريل 2021 انفجرت سيارة مفخخة في فندق يستضيف سفير بكين في مدينة كويتا الباكستانية، وهي ليست بعيدة عن معاقل طالبان في جنوب أفغانستان، وفي يوليو 2021 أيضا أسفر انفجار قنبلة في حافلة متجهة إلى سد ومشروع كهرومائي في داسو بالقرب من الحدود الباكستانية مع الصين عن مصرع 12 شخصا، من بينهم تسعة مواطنين صينيين، ما جعل بكين تستضيف ممثلين عن طالبان للاجتماع مع وزير الخارجية وان غيي حيث هناك مشاريع بين الصين وباكستان بقيمة 60 مليار دولار في الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان على المحك وهو جزء أساسي من مبادرة الحزام والطريق الأوسع نطاقا التي أطلقها الرئيس شي جينبينغ إلى جانب مصالح التعدين الصينية الكبيرة داخل أفغانستان.

اعترفت بكين بالجماعة كقوة سياسية مشروعة، ووصف وانغ حركة طالبان بأنها قوة عسكرية وسياسية حاسمة في أفغانستان من المتوقع أن تلعب دورا مهما في عملية السلام والمصالحة وإعادة الإعمار في البلاد.

في المقابل يؤكد سفير أفغانستان في السعودية السابق سيد جلال كريم أن تعنت الرئيس أشرف غني وعدم جديته في التوصل لاتفاق حقيقي مع طالبان تسبب في تسريع انهيار الولايات الأفغانية، وأضاف بعد توقيع الولايات المتحدة اتفاقية مصالحة مع طالبان قامت الولايات المتحدة بتسويق دبلوماسي لفكرة المصالحة ولقبول طالبان في المجتمع الدولي، وأقنعوا جميع الدول المجاورة لأفغانستان مثل الصين وروسيا وباكستان وحتى الهند وتركيا وغيرها بالدخول في المصالحة الأفغانية، واستقبال وفود طالبان، وبذلك أرسلت الحركة وفودها لكل تلك الدول، وكان بمثابة نجاح دبلوماسي لها.

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
Dr_mahboob1@hotmail.com

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القبض على شباب تحرشوا وضربوا فتاة في مصر

القاهرة – ميديا نيوز – تمكنت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية المصرية، من ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم