الرئيسية / WhatsApp / “غفار الزله ” وهندسة الفضاء المسرحي … و عراقة التجربة

“غفار الزله ” وهندسة الفضاء المسرحي … و عراقة التجربة

 

علي عليان : ميديا نيوز

         ضمن فعاليات مهرجان الأردن المسرحي في دورته الفضية في هذا العام والذي يحتفي بمرور خمسة وعشرين عاما على اقامة دوراته وصمودها في ظل تيارات التقنين وضغط الميزانيات في حدودها الدنيا ،ولكن الاصرار على إقامته في موعده المحدد هو العنصر الذي يغذي هذا العنفوان المتوفر في اروقة المهرجان ومريديه ومحبيه وجمهوره الذواق ، لذا تحرص دائما دولة الكويت ومن خلال المجلس الوطني للثقافة والفنون بوفد رفيع المستوى على المشاركة الفاعلة فيه في كل عام ،وفي هذه الدورة شارك المجلس من خلال فرقة مسرح الخليج العربي ذائعة الصيت بمنجزاتها المسرحية منذ ستينيات القرن الماضي بمسرحية “غفار الزلة ” للكاتب العماني محمد المهندس ومن إخراج عبدالله العابر وتمثيل عبدالله البدر وحنان المهدي وهبة عيدان ومشاري المجيبل ومحمد ملك وهذه المسرحية هي نتاج مهرجان الكويت المسرحي في دورته للعام 2017 والتي حققت نجاحا كبيرا لدى عرضها في الكويت وتحصلت على العديد من الجوائز في نفس المهرجان ، وجاءت مشاركتها في مهرجان الأردن المسرحي لهذا العام بتنافس شديد بين مختلف العروض المسرحية المتقدمة من العالم العربي حيث جاء اختيارها وفق اعتبارات الجودة الفنية اولا واخيرا .

فعل حكاية النص:

          تتمتع شخصيات العرض بتناقضات واضحة أفرزتها الحكاية الموروثة في الصراع الأزلي بين الخير والشر ووجود الخير حتى في براثن الشر في بعض الأحيان والعكس ايضا صحيح حيث بناء النص قائم على طلب الأم من ابنتها للثأر من حبيبها لمقتل أبيها وهذا المفصل الأساسي لسياق النص الذي صاغه الكاتب المسرحي بالاستناد إلى موروث القبائل العربية ومرسخا دور الأم في هذا الموروث وحثها على الانتقام مهما كان الفاعل ودرجة قرابته وصلته بنفس القبيلة ،في حين ان الأم في معانيها الدلالية والواقعية ايضا في كافة المجتمعات العربية بما فيها المجتمعات القبلية القديمة هي رمزا للحب والحنان والأمومة والعاطفة والسمو والحضن الدافئ الذي يلجأ إليه المرء مهما بلغ من السن مرتفعا عمريا لارتباط الانسان برحم أمه سيكولوجيا خفيا قائما على الرابط الوهمي غير المنظور وخفض الروح وعنفوانها أمام لحظة الأم ، أما هنا فجاء معاكسا لهذا الربط مستندا الى ترسيخ الموروث دون النظر الى تبعات ذلك كمخرجات موضوعية للمتلقي ومدى تأثره بهذا الطرح وتوصيفها بالزلة في حين أن الزلة هي فعل عابر لا يستوجب الثأر بقدر ما يستوجب التعزير او التوبيخ في اوقع حالاته ووقع النص أيضا أنه لم يغفر في توصيف الاسم وربطه بالمضمون  في هذا الزمن الحالك الذي يرتاد الأفق قتامة لونه ويوحي بمستقبل مجهول وكان الاوقع لو اكتفى النص بالغفران كتعبير درامي دلالي والاستمرار في تفوق لحظة الحب على لحظة القتل والتي شهدنا نهايتها بقتل الجنين وتشظيه في التيه بين الام والاب والجدة ضمن هذا المثلث في تركيبتها الصعبة والمتناقضة والمتداخلة التي تعمل فعل الكهرباء في دماغ وعقل المرأ في محاولة تركيبه على بعضه البعض .

هندسة الفضاء الخارجي :

“غفار الزله ” وهندسة الفضاء المسرحي … و عراقة التجربة

          ان الانضباطية العالية التي اتسم فيها سياق العرض والمتمثل بهندسة الفضاء المسرحي من بدايته  وحتى آخر لحظة من لحظاته لهو اشتباك معرفي عميق في تأمل بناء النص القائم على تغير الزمان والمكان في لحظات خاطفة سريعة فابتعد المخرج عن المتغير السيميائي الكلاسيكي الى المتغير الزماني والمكاني المتحرك باستخدام القطع الديكورية المرتفعة العلو للتأكيد على البناء الهرمي وتصاعده باتجاهات متعددة وتعمق هذا الارتفاع الهرمي في لحظات الحب الذي يسمو ويرتفع ويترفع عن الضغائن من خلال الطرح الموضوعي بتفوق حب الروح وانسجامها مع حبيبها حتى في لحظات الثأر المتأصل بين القبائل العربية وارثها القائم على هذا الثأر ، فيما جاءت هذه الحلو كتعبير رفيع على العنصرين الزماني والمكاني بكل رشاقة وعفوية غير مفتعلة مما اعطى العرض حركة ديناميكية دائمة واخرج السياق العام من الرتابة التي كان من الممكن ان يقع فيها العرض لولا هذا الاستخدام وفق أسس منهجية مدروسة وغير مفتعلة رغم تراثية القصة وواقعيتها التي توحي بعرض كلاسيكي إذا قرأت النص بتجرد قبل الاشتغال عليه وهذا يحسب للمخرج في توسعة خيال الإدراك لهذه الحلول بما فيها ديناميكية الممثل وتداخله مع القطع الديكورية المتحركة وتماهي بين تفاصيلها وتماهي حركة المجاميع وانضباط ايقاعها الغنائي والتحرك وفق هذا الايقاع والذي يتطلب قدرة عالية على الانسجام السيكولوجي .

أما في عناصر الصورة البصرية والموزعة بين مصمم الديكور ومصمم الإضاءة في رابط إخراجي صارم ومنضبط إلى حد كبير ، وهذين العنصرين يحسبان للعرض بصورته الايجابية كفعل مدروس حيث جاء ديكور “محمد الربيعان  ” كتعبير في توضيح رؤية العمل بالتوافق مع الحلول الاخراجية واضاءة الشاب “عبدالله النصار ” الذي أفرد نفسه بين مصممي السينوغرافيا في العديد من التجارب المسرحية الهامة والتي ميز نفسه فيها كما في عرض غفار الزلة الذي اعطى فيه الابعاد النفسية بكل معانيها وتعبيراتها التي تحاكي سياق العرض وهو أيضا الممثل البارع في تجارب اخرى ، وجاء ايضا الاستخدام الموسيقي الحي والذي قام بتأليفه ” عبدالله البلوشي ” بتوظيف عميق للتراث العماني المسمى ” غناء الدن ” وبما يحمله من عمق وموروث انتشر في منطقة الخليج العربي وكان هنا من أهم مفردات العرض كتعبير عن حالات العزاء وهو يستخدم مرثيات إيقاعية حزينة تقاطعت في وقعها مراثي اليمامة  من خلال جوقة العرض التي أسندت رؤية تركيبية أخرى لسياق الحكاية واستخدامها في العديد من الحالات المفصلية بالاضافة الى مسرحة القصيدة الشعرية والتي جائت في سياقها التركيبي من أجل ترسيخ الصورة الذهنية وتعميقها وإن كان في بعض حالات مسرحة القصيدة جاء خجولا إلا انه اوحى بالمعنى العام وتوظيفه في مكانه السليم .

منطقة التمثيل :

         الذيب وتقمص شخصيته وتراكيبها المتعددة الملونة و المستذئبة والمتوحشة والتي تحمل على اكتفها تعبيرا رمزيا دلاليا لكل هذه التواصيف وتعدد الشخصيات في شخصية واحدة والتي أداها “مشاري المجيبل ” مما عمق حالتها باسلوبية تمثيلية رفيعة المستوى اوصلت هذه الشخصيات المركبة بشخصية واحدة حيث اوصلت الشر المطلق بإسناده الى الحس الداخلي الذي عمق جميع الحالات بدءا من لحظات لقائه مع زعيم قبيلته وابن عمه وبدأ التحول الدراماتيكي في الشخصية إلى الشر المطلق والتي جائت مغايرة تماما لباقي الشخصيات الأخرى مفرداتها بالشر واسلوبية تناوله متقاطعة مع شخصية الأم التي أدتها “هبة عيدان ” بواقعيتها التراجيدية المعتادة وهنا وقع الاشتباك في التفاصيل والتأمل العميق في حياة الشخصيات في حين ان العنصر الإيجابي المتمثل بشخصية “شيخة ” والتي أدتها حنان المهدي بإتقان  وفي تطور ايقاعي متغير بتغير الزمان والمكان وتلونها في مختلف الحالات ومعايشتها لحالة الثأر ورغبتها في حبها لحبيبها الذي توج بزواج أثمر عن مولود نابع من بذرة من كان من المفترض هو الشخص المثار منه وهي شخصية “حمود” الذي أداها عبدالله البدر و أتقن مفرداتها وتناقضاتها الفاعلة والرئيسة في سياق العرض كما الحال في شخصية العم وزعيم القبيلة ” محمد ملك ” في حين آخر كانت المجاميع واستخدامها في ردات الفعل كجزء رئيسي ضمن طاقم التمثيل وليس استخداما تعبيريا تجميليا عابرا.

 

        ان عرض غفار الزلة والذي قدمته فرقة مسرح الخليج العربي لهو تعبير رفيع المستوى عن تقدم التجارب المسرحية الكويتية عربيا والتي يفرزها في كل عام مهرجان الكويت المسرحي ويقدم فيها العديد من التجارب المسرحية التي تتقاطع  وتتلاقى مع التجارب المسرحية العربية وتتفرد أحيانا في منجزها في منطقة الخليج العربي نتيجة لجدية الاشتغال على العرض المسرحي وتعدد الفرق المسرحية وعراقة تأسيسها وتأثر المسرح الكويتي الى حد كبير بتجربة صقر الرشود وما بناه من ارث مسرحي عريق بالاضافة الى دور الكويت في رفد الثقافة العربية بأهم المنشورات المسرحية كسلسلة يوم المسرح العالمي وعالم الفكر وعالم المعرفة ومجلة العربي والصحف اليومية عميقة المحتوى .

صور من المسرحية 

تعليقات فيسبوك

تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحكم على متهم بحيازة مواد مخدرة بالأشغال المؤقتة 11 عاماً

ميديا نيوز – بترا – قضت محكمة أمن الدولة، اليوم الاربعاء، على متهم بحيازة مواد ...

Translate »لأن لغة واحدة لا تكفي ميديا نيوز بكل لغات العالم
%d مدونون معجبون بهذه: