الرئيسية / WhatsApp / قصر عمرة… تحفة “خليع بن مروان” في بادية الأردن

قصر عمرة… تحفة “خليع بن مروان” في بادية الأردن

عمان – ميديا نيوز – يمثل قصر عمرة، في البادية الأردنية ضمن محافظة الزرقاء، أبرز الآثار الأموية حضوراً لجهة جماله الفني، وهو الأصغر بين هذه المعالم، حتى إنه يسمى “قُصير” مصغر قصر، و لجهة ارتباطه بتاريخ الصراع السياسي العربي، وأحد عناوينه صاحب القصر الخليفة الأموي الحادي عشر الوليد بن يزيد.

لكن العثور على القصر عند نهايات القرن التاسع عشر على يد علماء آثار برئاسة الهنغاري الويز موزيل، سلط الضوء من جديد على تحفة استثنائية، مليئة باللوحات على الجدران والسقوف، تاركاً الرجل تاريخياً للمتصارعين على سيرته، وفاسحاً المجال في العام 1985 ليصبح على لائحة التراث العالمي.

بعد أن تركن الحافلات في مواقفها، يكون في استقبال السائح موظفون يقدمون واجب الضيافة في مبنى محروس جيداً، يتضمن جناحاً صغيراً لبيع الهدايا التذكارية. دليل سياحي من أبناء البادية جعلته الخبرة ملماً بعدة عبارات بلغات أجنبية كالفرنسية والإنكليزية والإيطالية. ويظهر القصر فريداً لا يشاركه في المشهد المفتوح أي شريك.

وبعيداً بضع مئات الأمتار، عليك أن تقطع نحوه مساحة ترابية قليلة التعرج، تغطيها الحصباء. منذ إنشائه في الثلث الأول من القرن الثامن ميلادية، بقي القصر معماراً وحيداً، يتوسط المضارب التي كان يجول فيها الوليد بن يزيد، في البرية كما كانت توصف، أي التي لا تجوز عليها تقاليد المدن والعواصم المدنية.

في البرية هذه عرف الوليد مقارّ عديدة مثل قصر الحَرانة على بعد 16 كيلومتراً من قصر عمرة وقصر الحلابات بمسافة مقاربة، وصولاً إلى قصر المشتّى جنوب العاصمة عمّان، الذي قيّض أن يجاوره مطار الملكة علياء، ومنطقة صناعية.
ولمغرم بالصيد والخيول يمكن القول إن قصر الحلابات، الذي تتبعه مساحة واسعة، مكان سباق الخيل، لمن يرى أنه الحَلَبات، لا الحلّابات، كما هي التسمية الدارجة، بوصفها منطقة رعي المواشي.
أما الحرانة فذو تصميم عسكري بُني قبل مجيء الوليد بسنوات، والمشتّى لم يكتمل بناؤه، فقد توج الوليد بتاج الخلافة عام 743، وقطع ابن عمه رأسه ودفن في البخراء، على بعد “ثلاثة أميال من تدمر”، كما تورد المصادر.

بقى قصر عمرة المكان الأكثر إغراء لمحبي الآثار، ومتتبعي السير، ومُعملي الخيال. إنه يشبه جنة سرية معزولة، بعيداً عن الضجيج، وعن التزامات السياسة والمجتمع. لا يدخله إلا الخاصة. وهو من الخارج خالٍ من أي زخرفة. ولأنه صغير بحجم نادٍ للنخبة، لا توحي عمارته بالهيبة، وإنما بالأقواس ذات الارتفاع اللطيف التي تغطي مساحة داخلية خاصة، تحت إمرة من اشتهر باسم “خليع بني مروان”.

تعرف على خليع بني مروان

تعرف على خليع بني مروان

لطالما كان حمّام قصره عمرة مثيراً الإعجاب والجدل، ليس لهندسة بنائه فحسب، بل لاحتوائه على رسومات أموية قلّ نظيرها، وما زالت تزين سقفه وجدرانه كافة، رغم الضرر الكبير الذي تعرضت له منذ اكتشاف الحمّام في صحراء الأردن على يد المستشرق أليس موسيل حوالي عام 1900 ميلادية. وقد تم مؤخراً حسم الجدل حول نسبة هذا القصر للخليفة الوليد بن يزيد بن عبدالملك بن مروان، بناءً على النص الذي تم اكتشافه فوق أحد الشبابيك: ” اللهم أصلح الوليد بن يزيد”.

ولم يحكم الوليد إلا لسنة واحدة قبل أن يُقتل عام 744 ميلادي، مما يُرجّح أنه بناه أثناء ولايته للعهد في فترة حكم عمه الملك هشام بن عبدالملك. ولم يكن هذا الاكتشاف مفاجئاً بالنسبة للعديد من الباحثين الذين رجّحوا سابقاً أن يكون الوليد بن يزيد هو صاحب القصر، فقط من خلال المطابقة بين موضوعات تصاوير الحمّام وبين أخبار واهتمامات الوليد بن يزيد الواردة في كتب الأدب والتاريخ. وما يعنينا في هذا المقال هو استنطاق بعض النقوش والرسومات التي تزين حمام قصره، للتحقق من اتهامين وردا في سيرة الوليد، أولهما يتعلق بالخلاعة والمجون، والثاني بالكفر والإلحاد. الانغماس في الملذات تجمع المصادر التاريخية على تلقيب الوليد بـ”خليع بني مروان”، وتحمل ذات الانطباع عن حياته الخاصة، فمثلاً قال عنه المسعودي في كتابه “مروج الذهب”: “كان الوليد بن يزيد صاحب شراب ولهو وطرب وسماع للغناء، وهو أول من حمل المغنين من البلدان إليه، وجالس الملهّين، وأظهر الشرب والملاهي والعزف… وغلبت عليه شهوة الغناء على الخاص والعام، واتخذ القيان وكان متهتكاً ماجناً خليعاً”.

كما ورد في “العقد الفريد” لابن عبد ربّه: “عكف الوليد على البطالة وحب القيان والملاهي والشراب ومعاشقة النساء، فتعشّق سعدى بنت سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فتزوجها ، ثم تعشّق أختها سلمى، فطلّق أختها سعدى وتزوج سلمى… ثم ندم الوليد على فراقها وكلف بحبها”.

وجاء في ترجمته في “الكامل في التاريخ”: “وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجونه، فلما ولي الخلافة لم يزد من الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفسّاق إلا تمادياً، فثقل ذلك على رعيّته وجنده وكرهوا أمره”.

لا يبدو عشق الموسيقى والغناء من المذمة في عصرنا، ولا حتى في العصر العباسي وما تلاه من العصور، إلا أن انهماك ولي العهد بحفلات خاصة، مع ما يرافقها من السكُر والبذخ، وانتشار أشعاره الجريئة بشكل علني في فترة قريبة نسبيّاً من العهد النبوي، شكّل بالتأكيد صدمة بالنسبة لعامة الناس. ورغم تشكيك بعض المتأخرين حول صحة تلك الأخبار، إلا أن رسومات قصر الوليد تدعم بلا شك مصداقية الاتهامات المتعلقة بـ انغماسه في الملذات.

فهنا جارية عارية تماماً في القسم العلوي من الجسد، مع شريطين يلفان الصدر، بدلالات شبقية واضحة، وهي تحمل صحناً تُرمى فيه النقود، بحسب ما ورد في الوصف التعريفي لرسومات القصر في قاعة الاستقبال.

كذلك، تظهر رسومات أُخرى لراقصات ونساء عاريات على معظم جدران الحمّام. ولعل بعض تلك الرسومات هي لقيان كنّ فعلاً يقدّمن عروضاً استعراضية في مجالسه.

يدعم ذلك وجود رسومات لعازفين على شتّى الآلات الموسيقية، وأفضل ما تبقى منها هذه الرسمة المواجهة لصدر الحمام، ويبدو أن هذا الضارب على العود هو أحد المغنين المشاهير الذين كان يستضيفهم الخليفة أو ربما يكون الخليفة نفسه، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الوليد كان ملحّناً يجيد الضرب على العود والطبل والدف والطنبور.

هذا بالإضافة إلى وجود بقايا تصاوير أخرى ذات مواضيع جنسية مثل الرسومات الرومانية والإغريقية المنتشرة آنذاك في مناطق حوض المتوسط. لكن كل ذلك لا يبرر الانقلاب على الوليد وقتله، خاصة أن أباه وغيره من الخلفاء الأمويين قد اشتهروا بأخبارٍ وقصصٍ مماثلة، بل إن بعضهم قصفت جيوشهم الكعبة في حصار مكة، ولم ينالوا من التشويه ما ناله الوليد بن يزيد.

المآرب السياسية من تشويه سيرته واتهامه بالإلحاد يبدو أن السمعة السيئة للوليد لم يكن أغلبها من صنعه، فقد سعى عمه الخليفة هشام بن عبدالملك بإظهار عيوبه في مجالسه وتشويه سيرته قدر الإمكان من أجل إسقاط منزلته بين الناس والتخلص منه ولياَ للعهد.

فعندما أراد يزيد بن عبد الملك أن يحدد وليّاً للعهد، كان عمر الوليد أحد عشر عاماً، ولم يكن تعيينه مناسباً في مثل هذا السن، فعمد يزيد إلى تولية أخيه هشام، على أن يتولاها ابنه الوليد بن يزيد من بعد هشام. يقول ابن الجوزي في “المنتظم في تاريخ الأمم”: “ولما ظهر من الوليد تهاون بالدين، طمع فيه هشام، وأراد خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، فأبى، فتنكّر له هشام وعمل سرّاً في البيعة لابنه وتمادى الوليد في الشراب وأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد، ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا؟ ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته غير متحاشٍ، فكتب الوليد يقول: يا أيها السائل عن ديننا ديني على دين أبي شاكر نشربها صرفاً وممزوجةً بالسخن أحياناً وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يكنى أبا شاكر، وقال له: يعيرني بك الوليد (لأنه كان أيضاً شرّيباً)، وأنا أرشحك للخلافة، فالزم الأدب واحضر الجماعة، وولاه الموسم (قيادة الناس بالحج)، فأظهر النسك والوقار، وقسّم بمكة والمدينة أموالاً، فلما رأى الوليد تقصير هشام في حقه (لأن ولاية الموسم يُفترض أن تكون لولي العهد) خرج في ناس من خاصته ومواليه، فنزل بالأزرق (شرق الأردن)”.

ويتابع: “فلم يزل الوليد مقيماً بتلك البرية حتى مات هشام”. ويبدو أن القصر الذي نزل فيه بالأزرق هو نفسه قصر عمرة الذي لم يتبقى منه سوى الحمّام. وكان من بين الأسباب الأساسية التي أدت إلى الانقلاب على الوليد وقتله هي العداوة القديمة بين الوليد بن يزيد وأبناء عمومته من جيل الأمراء الصغار، خاصة من أبناء هشام بن عبدالملك والوليد بن عبدالملك.

إذ قام ببعض الإجراءات العقابية إزاءهم جميعاً ما عدا ابن عمه مسلمة بن هشام، لأنه كان يطلب من أبيه أن يرفق بالوليد ويكف عن التشهير به. ومن حينها ازدادت القالة فيه وانتشرت الشائعات عنه حتى اتهم بالكفر والزندقة، وقد صرح بعض المؤرخين أن من أطلق عليه الكفر بعد هشام بن عبد الملك هم أبناء عمه الوليد بن عبد الملك، واتهموه كذلك بغشيان أمهات أبناء أبيه، وهذا يُعتبر من زنا المحارم. إلا أن معظم جواري أبيه غير مذكورات بأسمائهن في كتب التراث، وكذلك معظم أمهات أبناء الوليد من الجواري غير مذكورات بأسمائهن، مع أن قصص عشق يزيد بن عبد الملك وغراميات ابنه الوليد مُصرّح بتفاصيلها في الكتب، وهي تذكر أسماء الجواري المحبوبات والأشعار التي قالاها فيهن.

ولو كان صحيحاً أن الوليد قد تسرّى بجارية أبيه أو أمهات إخوانه لورد الخبر بالتفصيل ولما فات الأدباء والمؤرخين اسم الجارية وقصتها. والقارىء لديوان شعر الوليد يجد تناقضاً كبيراً بين الأشعار المنسوبة له فيما يخص التعبير عن اعتقاده الديني، فبعضها فيه تصريح بالكفر والإلحاد وبعضها فيه إسلام وإيمان عميقان.

فمثلاً، نُسب إليه أنه قرأ ذات يوم “واستفتحوا وخاب كل جبّار عنيد، من ورائه جهنم، ويُسقى من ماء صديد”، فدعا بالمصحف فنصبه عُرَضاً للنشاب، وأقبل يرميه وهو يقول: أتوعد كل جبار عنيد ، فهنا أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر، فقل يا رب خرّقني الوليد وهذا الخبر يتعارض كلياً مع قصائد دينية أخرى له، نختار منها: الحمدلله وليّ الحمد ، أحمده في يسرنا والجهد وهو الذي في الكرب أستعين، وهو الذي ليس له قرين أشهد في الدنيا وما سواها، أن لا إله غيره إلاها ما إن له في خلقه شريك، قد خضعت لملكه الملوك أشهد أن الدين دين أحمد، فليس من خالفه بمُهتدٍ وأنه رسول رب العرش، القادر الفرد الشديد البطش أرسله في خلقه نذيرا، وبالكتاب واعظاً وبشيرا وأمام هذا التناقض بين الصورتين المنسوبتان له، نلجأ إلى الشاهد الأقوى وهو الرسومات والنقوش الباقية في قصره، والتي لا تحتمل التكذيب، وهي بمجملها تحسم لصالح صحة إيمان الوليد.

فهو وبالرغم من تلهّيه بالملذات المحرمة أحياناً، إلا أنه كان سليم الاعتقاد بالله يطلب منه الصلاح والبركة والرحمة. فقد استطاع الآثاري الفرنسي فريدريك إيمبرت قراءة بعض الكلمات من نص دعاء بالخط الكوفي على طوق صورة الوليد الجالس على عرشه في صدر الحمّام، والكلمات هي: “اللهم اغفر لولي عهد المسلمين والمسلمات …عافية من الله والرحمة”. وقرأ مختصون آخرون في موضعٍ آخر: “اللهم بارك على الأمير كما باركت على داوود و إبراهيم وملته”، بالإضافة إلى نص توحيدي يقول: “بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله… الله”.

وتزداد مصداقية هذه النقوش بالتعبير عن شخصية الوليد إذا لاحظنا أن الحمام ليس للإستعمال العام، إنما للأمير وحاشيته وندمائه والمقربين منه فقط، وبالتالي لم يكن مضطراً لمجاملة المجتمع بتزيين المكان بما لا يتوافق مع قناعاته الخاصة. ومما يدعم أيضاً نفي تهمة الإلحاد عن الوليد أنه قد زيّن عدة جدران في الحمام بسلسلة مشاهد من قصة النبي يونس المذكورة في التوراة والقرآن.

فهنا، تحت رسمة العرش، ورغم تضرر الجدارية، استطاع باحثون رؤية الملاحين في السفينة التي ركبها يونس وهم يلقون أمتعتهم في البحر الهائج، من أجل تخفيف حمولة السفينة، في مشهد مطابق للرواية التوراتية. وعلى يسار السفينة، يظهر وحش البحر أو الحوت وهو يحوم بانتظار لحظة سقوط النبي يونس وفي هذه الصورة، نتابع القصة لكن مع إدخال شخصية أسطورية يونانية على مسار الأحداث لإضافة بعد جمالي بصرياً، بما يتناسب مع أجواء القصة، وما ينسجم مع الثقافة اليونانية المتمثّلة كثيراً في رسومات وكتابات الحمّام، والتي يبدو أنها كانت مؤثرة آنذاك على ثقافة بلاد الشام وعلى أسلوب بعض فناني القصر.

فهذه الحسناء العارية هي “عروس البحر” أو “حورية الماء” التي تسبح مع الأسماك في الأنهار والبحار، وها هم الملاحون يُكملون رحلتهم ويُلقون شباكهم للصيد بعدما ألقوا بيونس في اليمّ.

أما هذه الجدارية فقد تضررت كثيراً، إلا أن بعض الباحثين استنتجوا أن الرسم الأصلي كان لوحش البحر الذي ظهر مع السفينة تحت صورة العرش، لكن هنا يظهر بشكل ضخم على كامل مساحة الحائط، وهو يلتقم نبي الله، ثم يخرج يونس من الجهة الأُخرى بفضل تضرّعه لله وتسبيحه.

وأما المشهد الأخير والأهم في القصة يظهر على أعلى الحائط المقابل، حيث يجلس النبي يونس بمشهدين على شاطىء الأمان وقد نجا من بطن الحوت، مستظلاً بشجره كما ورد في التوراة والقرآن.

والواضح أن اختيار موضع نجاة النبي يونس فوق صورة الأمير وأسفل الدعاء بصلاح الوليد بن يزيد، يشير إلى أن الهدف من القصة ليس جمالياً تزيينياً فحسب، وإنما يستلهم الأمير من تجربة يونس النجاة والتغلب على الصعاب. ولا يفوتنا أن نذكر أن البعض قد نفى تهمة الكفر عن الوليد، إذ قال الإمام الذهبي: ” لم يصح عن الوليد بن يزيد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر و التلوّط”.

رؤية الوليد بن يزيد ونهايته على الرغم من طغيان أخبار الحياة الشخصية للوليد بن يزيد على أخباره في إدارة شؤون البلاد، إلا أننا نستطيع بقراءة محايدة ملاحظة أنه كان صالحاً في رؤيته للحكم رغم قصر مدة حكمه، ولعلّه أفضل من العديد من الخلفاء الأمويين. فقد زاد أعطيات الشعب عشرات الدنانير، واهتم أيضاً بتوزيع الهدايا على الأطفال والفقراء، وتكفل بالمرضي وذوي الاحتياجات الخاصة ووكّل لكل واحد منهم خادماً، وعمل على استصلاح الأراضي الزراعية والعناية بالحيوانات، وكان كريماً خدوماً لدرجة أنه كان “لا يُسأل شيئاً قط فيقول: لا”، حسبما أورد ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية”.

فأين تكمن المشكلة؟ كان للوليد تصور بأنه على الناس أن يهتموا فقط بمصالحهم مع الدولة لا متابعة حياة الحاكم الخاصة. فلما بلغه أن الناس يعيبون عليه التهاون أحياناً بترك الصلاة والصيام، قال: “ما للناس وعيب ما نحن فيه؟ لنا منهم الدعاء والطاعة، ولهم منا العدل والإحسان”.

وهذه الرؤية صحيحة لكنها كانت متقدمة جداً بالنسبة لذلك الزمان، فهي لا تناسب طريقة تفكير العوام في المجتمعات الدينية ذات الوعي المحدود، ومن الواضح أنه لم يكن يراعي ثقافة الشعب على عكس الحُكّام ذوي المكر والدهاء الذين يعرفون كيف يحتالون على الرعية.

فمما دَرج عليه الناس تناسي بطش الحاكم وجرائمه وفساد حكمه، إذا ظهر بصورة دينية مقبولة للشعب، ولا يغفرون إطلاقاً ما يعتبرونه تقصيراً في علاقته مع ربه، حتى لو كان صالحاً معهم. ومن هذا الباب، استطاع يزيد بن الوليد التظاهر بالورع والتقوى، وحَشَد الناس ضد ابن عمه الأمير الوليد بن يزيد، فقتله وعلّق رأسه على جامع دمشق، ونصّب نفسه أميراً وأنقص الأموال التي صرفها الوليد للناس، فسموه “يزيد الناقص” وعمّت الفوضى، فسقطت الدولة الدولة الأموية بعدها بأعوامٍ قليلة، وبقيت بعض آثارها الفنية لتكون الشاهد الأصدق على العصر ومادةً مهمة للدراسة وتمحيص الأخبار.

لدى الدخول إلى قاعة الاستقبال والأروقة والحمام، ستكون بين جنبات مليئة بالألوان المائية ولوحات مرسومة بعيداً عن البيروقراطية الدينية والسياسية.

من ملأ القصر الصغير بالجداريات، ورصفه بالرخام والفسيفساء، هم ذاتهم الفنانون والمهرة المسيحيون العرب تحت الحكم البيزنطي سابقاً، لكنهم لم يستطيعوا تحت أوامر الدولة الأموية أن يرسموا في المسجد الأموي وقبة الصخرة والمسجد النبوي في المدينة المنورة إلا زخارف إسلامية، وطبيعة غير عاقلة.

أما في القصر البعيد في البرية، فظهرت إبداعات الرسم على حريتها، من الرموز الدينية غير الإسلامية، والمواضيع البعيدة عن أغراض الدولة القوية التي كان يحكمها هشام بن عبد الملك، عم الوليد، ولي العهد، الذي أدار ظهره للعاصمة دمشق، وركضت خيوله في البرية.

يورد كتاب “تاريخ الفن عند العرب والمسلمين” لأنور رفاعي مواضيع اللوحات والخطوط المنقوشة، ومنها صور أعداء الإسلام، ثلاثة في الصف الأول وثلاثة في الصف الثاني، وفوق أربعة منهم كتابة بالعربية والإغريقية. الأول من اليسار في الصف الأمامي فوقه كلمة قيصر بالعربية والإغريقية هو إمبراطور بيزنطة، والثاني في الصف الخلفي فوقه كلمة يظن أنها لوذريق آخر ملوك القوط في إسبانيا، والثالث في الصف الأمامي فوقه كلمة كسرى ملك فارس، والرابع فوقه كلمة النجاشي ملك الحبشة.
إضافة إلى ذلك هناك قصص ورموز دينية سابقة على الإسلام أو مشتركة معه، لكنها هنا مرسومة مشخصة، على غير ما بدأ الفن الإسلامي يشق طريقه، وهو التجريد.

هنا مساحة تخلد فئة من المجتمع: مهرة تظهر في أيديهم أدوات مثل المسحج والمطرقة، والقدوم، وعمال يشتغلون.
على الجدران نساء عاريات، ورجال شبه عراة يؤدون ألعاباً رياضية، وعازف على العود وآخر ينفخ بالمزمار، وطيور وحيوانات من قرود وغزلان وحمير وحشية ونمور وأسود، أما الدب السوري فرسم وهو يعزف على القيثارة. القبة السماوية تعلو الحمّام، وفيها الأبراج السماوية وللحمام ثلاث قاعات، باردة ودافئة وساخنة، مع أنابيب فخارية للبخار، إضافة إلى غرفة تبديل الملابس.
الماء المستخدم لشتى أغراض الوليد وصحبه، كانت تؤمنه بئر بعمق أربعين متراً، تملأ بمياه الأمطار، أما إذا شحت السماء، فيمكن توقع إحضار المياه على الإبل من واحة الأزرق، القريبة.

منذ عام 723 أصبح الوليد ولياً للعهد، مات أبوه يزيد بن عبد الملك، ولأنه كان في سن المراهقة، آلت الخلافة إلى عمه هشام بن عبد الملك، ريثما يكبر الوليد. والشاب الناهض الممتلئ بذاته ظل ولياً للعهد عشرين عاماً. حتى وهو يناكف عمه الخليفة الذي يدير دولة عظمى، وتثير سلوكياته امتعاضه، ظل يتقاضى مستحقاته المالية، ويصرفها على ملذاته.

وليس التهتك والإلحاد قضية تاريخية، إنما لأن الشاب الذي يقيم في بريته خليفة منتظر، وكتاب التاريخ ينتظرون، ويسمعون الجهاز الدعائي للسلطة وهو يردد أن ولي العهد من الخلاعة حتى إنه لا يصلح للحكم، ويصلح بديلاً عنه ابن الخليفة.

كان قصر عمرة الملاذ لشخصية متيقنة من وراثة المُلك، ولا شيء يضطرها لتعلم تقاليد الحكم في قصور العاصمة. إنه حتى حين أمره الخليفة بالذهاب إلى الحج، وصل الديار المقدسة، ومعه كلاب صيد، وخشية من افتضاح أمرها وضعها في صناديق. في قصره هنا يمكن أن يتحلل من كل التزامات الدولة. إنه لا يحرث الأرض بل يرثها جاهزة مجهزة. ومن ذلك جاء في الأثر سؤال عن صاحب الأرض هل هو “حارث أم وارث؟”. لا صوت في البرية سوى الطبيعة البكر.

بيداء غير قاحلة تحيط بقصر عمرة، وواحة قريبة، وهواء جبلي إذا عنّ له أن يقطع المسافة غرباً باتجاه البلقاء. يعود في نهاية مطافه إلى قصر عمرة، إلى العزلة والشيطنة الإبداعية في الغناء والموسيقى والرقص والشعر، والخمر، والجواري، والزيجات السريعة، أشهرها سعدى التي طلقها وتزوج أختها سلمى، وطلقها فتزوجت بشر بن الوليد بن عبد الملك، فبكاها ودعا أن يموت زوجها أو يطلقها. كان له أن يختار أشهر المغنين من ابن سريج ومعبد والغريض وابن عائشة وابن محرز وطويس ودحمان. في السرد، لا مجال إلا لمن يتصفون بحسن العشرة وحلاوة المجالسة.

والحقيقة أن المطلوب بالضبط مضحكاتي السلطة ومسليها. فهذا شراعة بن الزندبوذ حين بعث في إحضاره، فلما أدخل إليه قال: إني لم أبعث إليك لأسألك عن كتاب أو سنّة. قال: ولست من أهلها. قال “إنما أسألك عن القهوة” (الخمر) وأنواعها. مات الخليفة، وورث الوليد السلطة وحكم سنة وشهرين واثنين وعشرين يوماً، كما يورد كتاب “العقد الفريد” قبل أن يثب ابن عمه عليها فيقتل الوليد ويعلَّق رأسه. اختلفت الروايات في عمره لدى مقتله ما بين 36 سنة (العقد الفريد) وأربعين (البداية والنهاية).

يستبد بالسائح وهو يجول في القصر شعور مغاير عما ينتابه في جولاته بمعالم أخرى مجاورة. لا يمكن إنكار الحضور العميق للوحات. هي ليست مرسومة لهيبة وهيلمان الدولة، بل للمتعة البصرية. ولهذا اكتسى القصر الصغير فرادته على صعيد المؤسسات، وحظي برعاية أممية، لكنه أكثر من ذلك، وبالصور التي تختصر آلاف الكلمات يجد الرائي ذاته نفسه أقرب إلى المعايشة. لكأن الصور تنطق وخيالات الراحلين تعبر في الأروقة.

أهمل القصر على مدار مئات السنين. فمن يحفل بحجارة بعيدة عن الحواضر الكبرى والعواصم التي تعتبر البوادي مساحات ملحقة، للحنين العربي القديم، ولقطّاع الطرق.

العربي الجديد – رصيف 22 – ميديا نيوز

تعليقات فيسبوك

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الأردن يوافق على قانون ضد الفاسدين وأموالهم

عمان – ميديا نيوز – أعلن رئيس الوزراء الأردني، الدكتور عمر الرزاز، أن الجرائم الواقعة ...

Translate »لأن لغة واحدة لا تكفي ميديا نيوز بكل لغات العالم