الرئيسية / WhatsApp / كل الخيارات مفتوحة وفق القانون الدولي فيما يخص سد النهضة

كل الخيارات مفتوحة وفق القانون الدولي فيما يخص سد النهضة

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة
Dr_mahboob1@hotmail.com

مصر هبة النيل مقولة للمؤرخ هيرودوتوس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، لكن هذه النعمة التي تروي مصر منذ آلاف السنين مهددة اليوم، لكن هناك مؤامرة لتصبح أثيوبيا صاحبة اليد العليا في قرار تدفق المياه التي دعمت بناء سد النهضة العملاق على النيل الأزرق.

ما يحدث اليوم يتكرر في التاريخ عندما هدد الملك الأثيوبي دويت الثاني سلاطنة المماليك في مطلع القرن الخامس عشر بحجز مياه النيل عنهم، حيث ينبع نهر النيل الأزرق من أثيوبيا، وينبع النيل الأبيض من بوروندي، يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم، لكن النهر الأزرق يزود مياه النيل بنحو 85 في المائة من إجمالي مياه النيل.
منذ بداية القرن العشرين أعلنت مصر حقوقها في مياه النيل عبر عدة اتفاقيات بسبب أن مصر تعتمد بنسبة 97 في المائة على مياه النيل على عكس بعض بلدان حوض النيل الأخرى مثل أثيوبيا التي تهطل فيها الأمطار بمعدلات عالية.

وقعت مصر في عام 1959 مع السودان اتفاقا ينظم اقتسام المياه حيث تحصل مصر على 55.5 مليار متر مكعب، بينما يحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب، وبقيت مصر مهيمنة على النيل، خصوصا بعدما اتجهت نحو بناء السد العالي في أسوان في 1960، لكن أرادت أثيوبيا بدعم عدد من الدول من بناء سد النهضة يبلغ ارتفاعه 175 مترا ويبلغ طوله 1800 متر، سيسمح بإنتاج 6450 ميغاواط من الكهرباء، ( فيما يبلغ استهلاك أثيوبيا وجميع جيرانها مجموعين 800 ميغاواط )، وسعة تخزينه 67 مليار متر مكعب، أي ما يعادل التدفق السنوي للنهر حيث بدأت ببناء سد النهضة من طرف واحد من خلال شركة إيطالية في 2013 مستثمرة الأزمة السياسية التي حدثت في مصر في 2011.

بناء سد النهضة من وجهة النظر السياسية يهدف على تجويع مصر، ومن وجهة نظر اقتصادية وجيولوجية، فإن تشييد السدود الصغيرة هي أكثر منطقية بسبب أن هناك عواقب لتشييد السدود الضخمة، وهذه السدود الضخمة ليس فقط تحبس المياه، بل أيضا تحبس طمي الأنهار الذي يزيد خصوبة الأراضي الزراعية على ضفاف الأنهار.

هناك حصار لمصر من الشمال تركيا، ومن الجنوب أثيوبيا، كما تحاصر إيران السعودية من الشمال والجنوب، مع التقاء إيراني تركي لمحاصرة السعودية ومصر في آن واحد، ولا يمكن فصلهما عن الإرادة الدولية لإضعاف البلدين، من أجل تقليص نفوذ السعودية ومصر العربي والإقليمي، بل إن بناء سد أتاتورك الكبير والذي جفف جزئيا نهري الفرات ودجلة وحرم سوريا والعراق من موارده المائية، مستثمرة تركيا الانهيار السياسي في سوريا والعراق، وانشغال السعودية ومصر بصراعات إقليمية.

حاولت مصر في يناير 2018 حل مشكلة سد النهضة باعتبار أن المصالح واحدة، وتخلت مصر عن وساطة البنك الدولي، وسبق أن وقعت مصر على الاتفاق المؤقت في مارس 2015 رغم اعتراض العديد ضد هذا الاتفاق.

لكن تقلص قدرات مصر الدبلوماسية في أفريقيا منذ عقود، وأهملت جارها الجنوبي السودان بعدما استقل عنها في 1956، فيما بقيت علاقات تقليدية بحكم الصلة بين الشعبين، وتنتقد مصر من أنها لم تقف أمام انقلاب عمر البشير والإسلاميين في يونيو 1989، والتي وقفت إلى جانب أثيوبيا ضد مصر، وأغلقت الجامعات المصرية في السودان، وغذت العداء لمصر، خصوصا في أوساط الشباب.

وبشكل خاص أرادت السلطة الإخوانية في السودان الانتقام من مصر نتيجة الثورة الشعبية في مصر التي أزاحت حكم الإخوان بدعم الجيش والسعودية في 2013، وتحالفت السلطة السودانية مع أردوغان ضد مصر، وبدأوا يطالبون بمثلث حلايب الواقع جنوب شرق مصر، حتى أنهم بدأوا يسمون الجيش المصري بالمصرائيلي، وهي كلمة تجمع بين مصر وإسرائيل.

نتيجة هذا التفكك بين مصر والسودان، خسرت السودان الجنوب، وأتت زيارة أردوغان إلى السودان لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في السودان على غرار القاعدة العسكرية في قطر، ما يعني أن الخليفة إردوغان الذي يتزعم الإخوان يحاصر السعودية ومصر بقاعدتين عسكريتين، لكن السعودية وقفت أمام بناء هذه القاعدة التركية في سواكن.

ليس هذا فحسب، فإن عمر البشير لم يقلق فقط مصر، بل سبق أن أقلق حتى السعودية بتحالفه مع ملالي طهران لفترة طويلة من الزمن، لكن نجحت السعودية في الضغط على البشير الذي قطع علاقته بإيران، وأعاد علاقته مع السعودية، لكن تدخلت تركيا في إضعاف هذه العلاقة، أو جعلها علاقة متراوحة بين الشد والجذب. أراد عمر البشير إعادة علاقته بالسعودية من أجل رفع العقوبات الأمريكية عنه في أكتوبر 2017، وأرسل آلاف الجنود إلى اليمن للمشاركة في عاصفة الحزم، لكن بقي البشير يعتقد أنه يحصل على كهرباء من أثيوبيا، ولم يفكر في العواقب البيئية التي ستؤثر على الأراضي الزراعية السودانية القريبة من السد عند حدوث أي طارئ.

أصبح النيل وقناة السويس والقرن الأفريقي وباب المندب رهن قوى إقليمية تود الحصول على موطئ قدم، كإيران وتركيا، لكن تقف السعودية ومصر ودولة الإمارات دائما بالمرصاد لهما، فنجد أن وزراء أثيوبيا زار أنقرة في فبراير 2018، ووقع اتفاق ثنائي أيضا في اتفاق الدوحة في نوفمبر 2017 للبحث عن داعمين للسد ضد مصر.

بالطبع هناك كثيرون يطرحون فكرة حروب المياه، وسبق أن أكد بطرس غالي عام 1992 بعد تسلمه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، بعدما أعلنت السودان عن تشكيل قوة مشتركة مع أثيوبيا هدفها حماية السد، بينما الأسطول البحري المصري يجول في باب المندب في إطار الحرب على اليمن، لكنه يستطيع لعب دورا في حال حدوث نزاع مع أثيوبيا، خصوصا وأن مصر أرسلت فرقا عسكرية لأرتيريا عدو أثيوبيا اللدود التي نشبت حرب مريرة في عامي 1998 و 2000، رغم ذلك تعترف الدبلوماسية المصرية من أن الحرب مغامرة بحد ذاتها، ولن ترضخ مصر لمن يؤججون للحرب في التحليلات السياسية عبر المقاطع المنتشرة.

الأمن العسكري داخليا وخارجيا أمر ضيق، لأن الأمن العسكري وجه سطحي ضيق لمسألة الأمن الكبرى كما يقول روبرت مكنمار وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، فهناك الجوانب غير العسكرية المرتبطة ارتباطا وثيقا بمسألة الأمن القومي، ومن هذه الجوانب مسالة الأمن الغذائي والاقتصادي ومسألة المياه على رأس تلك الجوانب.

نسبة الاكتفاء الذاتي من أهم السلع الاستراتيجية في مجال الغذاء في المنطقة العربية لا تزيد عن 39 في المائة، وهذه النسبة لها أهميتها، فمصر يبلغ اكتفاؤها الذاتي من القمح 27 ارتفع بأكثر من 50 في المائة في 2020، كذلك نجد السعودية ثالث بلد عربي في إجمالي الناتج الغذائي بعد مصر والجزائر، رغم أنه بلد صحراوي، لكن السعودية تدرك من يمتلك غذاؤه يمتلك قراره.

المنطقة العربية تقع في الحزام الجاف وشبه الجاف من العالم، وتقل فيه الموارد المائية المتجددة عن 1 في المائة، ونصيب الفرد العربي من المياه 1744 مترا مكعبا سنويا، في حين المعدل العالمي يصل إلى 12900 متر مكعب سنويا، ومعدل هطول الأمطار في الوطن العربي بين 5 – 450 ملم سنويا، في حين يتراوح في أوربا بين 200 – 3000 ملم سنويا، وتمثل الصحاري في الوطن العربي 43 في المائة من إجمالي المساحة الكلية للوطن العربي.

حيث يعتبر نهر النيل أطول أنهار العالم حيث يبلغ طوله 6670 كيلو متر، وتقدر مساحة حوض النيل بنحو 9.21 مليون كيلو متر مربع، أي ما يعادل 10 في المائة من مساحة إفريقيا.

ويعود الصراع على النيل إلى عام 1821 دفع مصر ضم السودان قبل أن تقوم باحتلال إثيوبيا عام 1875، أعطى لمصر الهيمنة على نهر النيل، وأعطت المعاهدات أفضلية لمصر، وعلى رأسها اتفاقيات مياه النيل لعامي 1929، 1959، ويعتبر الصراع على مياه النيل أحد أهم الأسباب الحروب بالوكالة منذ الستينات وحتى عام 2000 في كل من مصر وإثيوبيا والسودان والمحيط الجغرافي لهذه الدول، فمصر اليوم تطالب بحقوق تاريخية بينما إثيوبيا تطالب بحقوق جغرافية، لكن كان رد الرئيس السيسي أن الله سبحانه وتعالى أراد أن تنزل المياه هناك ( إثيوبيا ) وأن تصل إلى هنا ( مصر ) وما فعله ربنا لن يغيره البشر.

باعتبار أن إسرائيل تقع في المنطقة العربية فبعد اتفاقية كامب ديفيد 1979 طرحت فكرة توسيع ترعة الاسماعيلية من أجل أن تتدفق المياه عبر ترعة لضخ 30 مترا مكعبا في الثانية، ونقل هذه المياه عن طريق سحارة تمر أسفل قناة السويس، ثم تصب المياه على الجانب الآخر من القناة في ترعة مبطنة بالأسمنت لمنع تسرب المياه، وهذه الترعة تصل إلى ساحل فلسطين المحتلة وتل أبيب ثم في خط آخر يتجه جنوبا نحو بئر السبع لعرب صحراء النقب من أجل الحصول على 8 مليارات متر مكعب من المياه سنويا من النيل.

وقد أعلن ديفيد بن جوريون عام 1955 أن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل، وفي منتصف عام 2010 فشل اجتماع في شرم الشيخ لوزراء المياه حول حوض النيل العشر في التوصل لاتفاق على حصص كل منها في مياه النهر، وهو عمق الخلاف بين دول المنبع بوروندي والكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا بالإضافة إلى دولتي المصب السودان ومصر، حيث تصر دول الحوض على تقسيم المياه بالتساوي، في حين تصر مصر والسودان على حقوقهما المائية الموقعة بين دول الحوض منذ عام 1800، بدءا من اتفاقية أديس أبابا عام 1902، إلى اتفاقية أوغندا عام 1929 وصولا لاتفاقية 1959 التي أعطت لمصر حصة قدرها 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، وللسودان 18.5 مليار متر مكعب من إجمالي المياه الواصلة عند أسوان، إضافة إلى الدول التسع يضم الحوض اريتريا التي تعتبر عضوا مراقبا.

حصة مصر من المياه تكاد لا تكفيها، وبالنسبة لمصر خط أحمر والرئيس السادات هدد بشن حرب على إثيوبيا عندما علم بنيتها في إقامة سدود بالتعاون مع إسرائيل تؤثر على حصة مصر من المياه، واليوم الرئيس السيسي يهدد بشن حرب تهدد المنطقة وتهدد الاستقرار فيها وهي حرب لا تحبذها مصر، لكنها لن تقبل المساس بحصتها من المياه.

وإن كان هناك أوراق كثيرة تسبق الحرب بين السودان وإثيوبيا، ويمكن أن تدعم مصر الصومال في استعادة إقليم أوجادين من إثيوبيا باعتبارها منطقة عربية محتلة، وبونتي من كينيا إذا هددت إثيوبيا حصة مصر من المياه.

بعد فشل الاجتماع الأخير في كينيا وتمسك إثيوبيا بالملئ الثاني في يوليو 2021 في الوقت الذي هددت السودان باللجوء إلى مجلس الأمن، فيما حذر السيسي من عواقب مواجهات الدول ومؤكدا التعاون والاتفاق أفضل كثيرا من أي شئ آخر دون أي توضيح.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زلزال قوي ضرب ألاسكا الأمريكية وتحذير من تسونامي

ميديا نيوز – رويترز – أصدرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية تحذيرا من ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم