الرئيسية / WhatsApp / هل تقبل الولايات المتحدة أن تخسر السعودية كحليف تقليدي لصالح الصين؟

هل تقبل الولايات المتحدة أن تخسر السعودية كحليف تقليدي لصالح الصين؟

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
Dr_mahboob1@hotmail.com

الجميع أصبح في خدمة الإمبراطورية السعودية الجديدة، حيث بدأت السعودية تعزز نفسها بأقوى أنظمة الدفاعات من جميع الدول التي تتسابق في التعاون معها في تحقيق رؤيتها في توطين وتصنيع 50 في المائة من الصفقات العسكرية محليا، ولم تعد السعودية أسيرة المزاج الأمريكي كما يعتقد كثير من المحللين التابعين لمعسكر ما يسمى بمحور المقاومة والممانعة ظلما وعدوانا، والمعسكر الآخر محور الخلافة الإخوانية، لكنهم لا يريدون تعمدا أن يستوعبوا أن السعودية ليست أسيرة السياسة الأمريكية التي تخلط بين السياسة والصفقات كما يروجون لذلك لتحقيق أهداف حلفائهم.

فعندما ربطت الولايات المتحدة صفقة ال إف 35 مقابل أن تخرج هواوي الصينية، رفضت الإمارات هذا الابتزاز، وتحول دول الخليج بقيادة السعودية إلى دول لا تربط بين السياسي والاقتصادي، وتقيم علاقات مع قوى متعددة ضمن شراكات واسعة بعلاقات غير مشروطة بسبب أن تلك القوى تبتعد عن الخلط بين السياسي والاقتصادي، كما تفعله أمريكا، تلك أصبحت خيارات السعودية الجديدة.

لكن ألم يكن هذا التحول هو نتيجة عدم الوضوح في الرؤية الأمريكية، فيما لا توجد هناك ضبابية في الموقفين الصيني والروسي، وأيضا في الموقفين الياباني وكوريا الجنوبية، أبرز الدول التي تتعاون مع السعودية ومع بقية دول الخليج، حتى لا تتأثر السعودية بالمزاج الأمريكي المتعدد المتقلب.

أيضا تلاحظ السعودية أن هناك تراجع أمريكي عن الحلفاء التقليديين، وحتى عن الأوربيين، رغم أن الولايات المتحدة تعلن أنها لن تخرج من شرق أوربا ولا من العراق ولا من المنطقة، لكن سحب الباتريوت من السعودية جعل السعودية تتجه نحو البدائل الأخرى، كان أهم بديل هو التصنيع المحلي للأسلحة الدفاعية المتقدمة بواسطة الاستعانة بالدول المتقدمة.

كما كان خروج الولايات المتحدة المرتبك من أفغانستان، أعطى صورة أن إدارة بايدن تتجه نحو التراجع ونحو الانكفاء في الدور الأمريكي، وأن أمريكا أصبحت أولويتها احتواء الصين، ما جعل إدارة بايدن تتجه نحو عسكرة المواجه مع الصين في بحر الصين الجنوبي عندما استبدلت الغواصات الفرنسية الغير نووية بغواصات أمريكية نووية.

تنظر الولايات المتحدة إلى السعودية ودول الخليج كجزء من منظومتها، لكن الواقع الجديد ينقض تلك النظرة، خصوصا بعدما أقامت الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي بجوار القاعدة الأمريكية في 2017، واليوم تتجه الصين نحو بناء قاعدة عسكرية في دولة الإمارات.

ما يعني أن نموذج الصين المتوازن في الفترة الماضية في عدم التدخل في شؤون الدول ليس شرطا أن يستمر، فمثلا تقيم الصين علاقات مع دول الخليج وفي نفس الوقت مع إيران، لكنها حريصة على إقامة علاقات شراكات وتحالفات مع دول الخليج، ويبدو حتى الآن لم تنحاز الصين في الصراعات الإقليمية، لكن زيادة عدد شركات الصين في المنطقة وزيادة عدد رعاياها يدفعها للعب دور دبلوماسي وعسكري في الفترة المقبلة ليس شرطا أن يكون منحازا وقد يكون دورا توافقيا، ويمكن النظر إلى هجوم الصين الحاد في مجلس الأمن والأمم المتحدة في 2019 ضد إسرائيل في الحرب الرابعة ضد الفلسطينيين، وهو مؤشر على تحول كبير في سياسات الصين الخارجية تجاه العرب، وأيضا دعمت المبادرة الروسية في مجلس الأمن في سبتمبر 2019 حول الأمن الخليجي.

كذلك تراقب وتتابع السعودية الملف النووي الإيراني في فيينا الذي ترى أنه لا يعالج المشكلة الحقيقية، فهو يتجه نحو توافقا مرحليا ترقيعيا، غير ملزما لإسرائيل ولا لدول الخليج وعلى رأسها السعودية، فالطرفان يريدان تقديم تنازلات، حيث الجانبان خاسران في الوصول إلى مثل هذا الاتفاق، ويبدو أن المستفيد الوحيد من هذا الاتفاق المرحلي هي روسيا التي تتصيد في مثل هذا الاتفاق، كذلك يشعر الاتحاد الأوربي أن انشغال أمريكا بالصين جعل روسيا تستثمر هذا الانشغال في استعادة جزء من مجدها.

فالطرفان أمريكا وروسيا هما اللاعبان في فيينا بعدما كان الموقف الأوربي يلعب دورا وسيطا، وحسب مجلة فورن بولسي التي قالت إن المفاوضات في فيينا تسير ليس بنفس سرعة البرنامج النووي، فإيران على وشك إنتاج قنبلة نووية في غضون 12 شهرا، ويمكن أن تكون في غضون شهرا، لكنها تحتاج إلى اختراق تكنولوجي في تحويل النووي لديها إلى رأس نووي حربي.

مثل هذا الاتفاق المرحلي يشجع السعودية نحو التوجه إلى صناعة أسلحة ردعية لحماية أمنها خصوصا وأنها مسؤولة عن حماية أمن المنطقة الخليجية والعربية، ويسمح لها بتشكيل جيش خليجي للردع السريع على غرار منظمة معاهدة الأمن الجماعي الذي سمح لروسيا بالتدخل السريع لوقف الإرهاب في كازخستان، وسبق للجيش السعودي أن تدخل في البحرين عام 2011 لحماية البحرين من الإرهاب وتدخل إيران، فيما الدول التي تدخلت فيها إيران كالعراق وسوريا ولبنان واليمن تحولت إلى دول منهارة.

ولن تلجأ أمريكا لخيار الحرب إذا فشل الاتفاق النووي، بل تهدد باللجوء إلى خيارات أخرى، ويبدو أنه أحد تلك الخيارات ترك السعودية تحرر اليمن من أجل أن توازن السعودية بين الموقفين الأمريكي والصيني في منطقة الخليج باعتبار أن منطقة الخليج منطقة استراتيجية مهمة بالنسبة لها وبالنسبة لمصالحها.

لن تسلم السعودية منطقة الخليج لأي قوة دولية، خصوصا بعدما لجأ الحرس الثوري الإيراني إلى التحول من تهديد الأمن المائي وممراته بالألغام إلى القرصنة، ضاربا بالقانون الدولي عرض الحائط، وهو ما يرفضه المجتمع الدولي، ليس هذا فحسب، بل إن الأمم المتحدة أثبتت أن ميناء جاسك في الساحل الغربي اليمني استخدم كقاعدة عسكرية في تهريب الأسلحة.

ما فرض على دول التحالف التحول من الدفاع منذ سبتمبر 2021 إلى الهجوم، وحررت شبوة واتجهت نحو تحرير حريب جنوب مأرب أولى محافظات مأرب الجنوبية، ومن شبوة المحررة أعلن التحالف عن حرية اليمن السعيد، والذي ينسجم مع أهداف عاصفة الحزم، وتحرير كافة مناطق اليمن بغية الوصول إلى السلام الشامل.

وهو ما جعل وزير خارجية إيران أمير عبد اللهيان يسارع الخطى في زيارة سريعة لسلطنة عمان، ثم يزور قطر، يطلب من هاتين الدولتين أن الوقت قد حان للسلام في اليمن بعد التقدم الذي أحرزته قوات التحالف وقوات العمالقة الجنوبية وقوات الشرعية والمقاومة الوطنية، بعدما رفض الحاكم العسكري للحرس الثوري حسن أورلو في اليمن في مارس المبادرة السعودية للسلام الذي اصطاده صقور دول التحالف هو وبقية قيادات هرمية من حزب الله والحرس الثوري الإيراني وقيادات حوثية كبيرة أربكت الانقلابيين وداعميهم.

ترفض إدارة بايدن أن يتحول التعاون السعودي الصيني من التجارة إلى العسكري كبديل آخر للولايات المتحدة، لكن هذه ليست نظرة السعودية التي تحافظ على أن تبقى المصالح السعودية لا شرقية ولا غربية، لكن السعودية ترى أن الصين أصبحت لاعبا دوليا كبيرا يمكن أن تكون أيضا ورقة مهمة في يد السعودية في سياق التوازنات الدولية المبنية على المصالح المشتركة دون الإخلال بالعلاقات السعودية الأميركية كما يعتقد بعض المحللين التويتريين.

أي أن السعودية تحرص على التوازن بين القوى، رغم أن الشرخ بين السعودية والولايات المتحدة في زمن إدارة بايدن يزداد يوما بعد يوم، ولكن على الولايات المتحدة أن تعالج هذا الشرخ في الثقة وأمريكا ليست كلها بايدن، بعدما كانت الولايات المتحدة ضامنا لأمنها ولأمن دول الخليج طيلة عقود، خصوصا بعد حدوث تحولات كبيرة زادت من واردات أسيا وعلى رأسها الصين من الطاقة من دول الخليج، بينما حدث العكس بالنسبة للولايات المتحدة التي انحدرت صادرات الطاقة إليها نتيجة فورة الغاز الصخري، لكن تظل الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج بالنسبة لها باقية.

بدأت تسعى السعودية نحو تأمين أمنها ذاتيا في الاعتماد على التكنولوجيا الصينية وتكنولوجيا الذكاء الصناعي للمدن الذكية، وكذلك الدرونات المسلحة والرعاية الصحية والطاقة المتجددة، فلم تعد العلاقات مع الصين اقتصاديا فقط بل وسياسيا وعسكريا.

ما جعل الولايات المتحدة تنظر إلى الصين من أنها نقطة لاذعة حقيقية، والسعودية تفتح الباب أمام الولايات المتحدة للقيام بنفس التعاون مع الصين عبر استراتيجية تنويع العلاقات، خصوصا وأن السعودية تؤمن أن الولايات المتحدة لا زالت الوحيدة القادرة على منح السعودية جوانب سياسية لا تستطيع أي دولة منحها ولا زالت تتحكم الولايات المتحدة حتى الآن في الأمم المتحدة، كما تعتقد أمريكا أن السعودية أيضا الوحيدة القادرة على التعاون مع الولايات المتحدة في العديد من الملفات الساخنة في المنطقة.

فاستراتيجية السعودية توسيع قوتها عبر تحالفات أعرض، بسبب أن الصين تقدم تكنولوجيا أرخص ودون ربطها بأي مواقف سياسية أو حقوقية ودون شروط سياسية.

ما يفرض على الولايات المتحدة أن تتنازل عن هذه الشروط في أي صفقات جديدة مستقبلا، وهذه دبلوماسية سعودية خليجية استثمرتها في تحقيق فوائد لمنطقتها في الانتقال إلى مرحلة متقدمة.

فبعدما كانت السعودية معارضة بضراوة للشيوعية وداعمة لتايوان التي عرقلت العلاقة بين السعودية والصين فترة طويلة من الزمن، فيما تعلن السعودية اليوم أنها لن تقبل أي تدخل في شؤون الصين الداخلية لا في تايوان ولا في إقليم تركستان الشرقية وحتى حقوقيا، واستخدمت السعودية شبكة هواوي للجيل الخامس في نيوم الذي يتكلف 500 مليار دولار لبناء مدينة المستقبل، رغم معارضة الأمريكيين بشدة.

وفي أوائل الثمانينات فشلت السعودية في الحصول على صواريخ من الولايات المتحدة كرادع لإيران، وعندما رفضت الولايات المتحدة حصلت السعودية عليها من الصين سرا، واليوم تكرر الولايات المتحدة نفس الخطأ عندما رفضت بيع درونات مسلحة، لكن في زيارة ولي العهد للصين في 2017 تم الاتفاق على إنشاء مصنع درونات في الرياض، وهو الأول في الخليج.

وفي يناير 2016 أصدرت بكين ورقة السياسات العربية التي شملت كل شيء من الأمن إلى التجارة ومكافحة الإرهاب، ووقعت الصين مع السعودية تأسيس شراكة استراتيجية شاملة لتعزيز الروابط السياسية والثقافية والأمنية والعسكرية خلال زيارة شي جين بينغ إلى السعودية، وترى السعودية في الصين أنها تسبق كل شيء بسنوات ضوئية، والاقتداء بالصين في نموهم السريع.

ترى الولايات المتحدة أن الصين تأخذ أكثر من حصة الولايات المتحدة في السعودية، لأن كل اضطراب يسببه الأمريكيون يشجع الصين أكثر في الحصول على حصص أكبر.

رأيك يهمنا ... تابعوا اخر الأخبار على ميديا نيوز

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“وي بيلد” الإيطالية تعد عروض تقديمية مع مستثمرين إيطاليين ودوليين مؤهلين

ميديا نيوز – الهدف تقييم ظروف السوق حول الإصدار المحتمل للسندات بدعم ...

Translate »ميديا نيوز بكل لغات العالم